هامش
- بيان ذلك : أنّ الأمارة حجّة في حقّ من كان جاهلًا بالواقع وأمّا من كان عالماً به فلا حجّية لها بالنسبة إليه أبداً ، فهذا الحكم التخييريّ إن وصل إلى المكلّف انقلب عن جهله بالواقع وصار عالماً به وعالمًا بخطأ الأمارة ؛ فإذا قال الشارع مثلًا : صلّ صلاة الظهر أو صلّ صلاة الجمعة التي أخبرت الأمارة بوجوبها على أنّها هو الواقع حين جهلك بخطائه ، فبمجرّد وصول هذا الحكم علم المكلّف بأن الواجب عليه هو صلاة الظهر وأنّ الأمارة قدأخطأت .
وبالجملة : إنّ تحقّق موضوع هذا الحكم مستحيلٌ فتبعه استحالة حكمه فلا يمكن أنيجعل الشارع في المقام حكماً تخييريّاً وإن كانت المصلحة موجودة ؛ ففي هذا المقام لابدّ وأنيبلغ إلى المكلف أنّ الواجب عليه الإتيان بإحدى المصلحتين فحيث إنّ إبلاغه بالوجوب التخييريّ مستحيل فلابدّ وأنيحكم حكماً تعيّنياً بوجوب الواقع ويرخّص المكلّف بدليل آخر على جواز سلوك الأمارة ؛ فالالتزام بالمصلحة السلوكيّة غيرمستلزم لانقلاب الواقع عما هو عليه من الحكم التعيينيّ إلى التخييريّ وذلك للزوم الاستحالة في الخطاب ، فما ذهب إليه من استلزام ذلك خالٍ عن السداد .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المحقّق النائيني قدسسره * قد دفع الإشكال بلزوم الحكم التخييريّ بوجه آخر وهو أنّه قال : إنّ المصلحة وإنكانت تخييريّة إلّاأنّ جعل الحكم التخييريّ على طبقهما مستحيل لأجل الملاك . وذلك لأنّ إحدى المصلحتين وهي المصلحة السلوكيّة في طول المصلحة الواقعيّة ومترتّبة عليها فكيف يمكن جعل الحكم التخييريّ على طبقهما ؟ بل المصلحة السلوكيّة مترتّبة على نفس الحكم الواقعيّ .
بيان ذلك : أنّ المصلحة السلوكيّة إنّما هي في حال قيام الأمارة على خلاف الحكم الواقعيّ فلابدّ وأنيكون هنا مصلحة في متعلّق الحكم الواقعيّ فتترتّب عليها حكم ثمّ تحدث مصلحة بسبب قيام الأمارة على هذا الحكم فالمصلحة الحادثة بسبب قيام الأمارة متأخّرة عن الحكم الواقعيّ بمرتبة واحدة وعن مصلحته بمرتبتين ؛ فإذا كانت المصلحة السلوكيّة متوقّفة على الحكم الواقعيّ التعيينيّ فكيف يعقل بعده جعل حكم تخييريّ ؟ وهل هو إلّاجعل حكم تعيينيّ وتخييريّ معاً في مورد واحد ؟
أقول : إنّ المصلحة السلوكية ليست متوقّفة على وجود الحكم الواقعيّ بل متوقّفة على إخبار الأمارة على وجوده وإن لميكن في الواقع حكم أصلًا وعلى مسلك العدلية وإن لا يخلو الواقع عن حكم لا محالة إلّاأنّ المصلحة ليست متوقّفة عليه فلمتكن المصلحتان في مرتبتين .
وبالجملة : إنّ ما ذهب إليه من لزوم الاستحالة في الملاك غيرسديد والحقّ ما دفعنا لزوم الإشكال بانقلاب الواقع عن التعييني إلى التخييريّ بلزوم الاستحالة في الخطاب - منه عفي عنه .
* أجودالتقريرات ، ج 3 ، ص 118 .