لاحظنا جميع هذه الأمور يكون القدر المتيقّن من جواز التقليد هو التقليد عن المجتهد الحيّ المطلق الأعلم وغير هذا المورد يكون مشكوك الحجّية سواء كان حيّاً وغير أعلم أو أعلم وغير حيّ أو حيّاً وأعلم وغير مطلق .
لكنّا بعد ما أنكرنا إمكان التجزّي في الاجتهاد فنستريح من جعل القدر المتيقّن بالإضافة إلى هذا الأمر فإذاً يكون القدر المتيقّن هو التقليد عن المجتهد الحيّ الأعلم .
لكن لا يخفى أنّ جعل الشارع خصوصَ رأي هذا المجتهد حجّةً دون غيره مستحيل لأنّ المجتهد الحيّ الذي يكون أعلم من جميع العلماء المتقدّمين والمتأخّرين الأموات والأحياء ، ممّا لا يتّفق في قرون بل يمكن أن لا يتحقّق إلى يوم القيامة ، لإمكان أن يكون بعض العلماء السلف أعلمَ من الأحياء الموجودة وممّن يأتي بعد ذلك إلى يوم القيامة .
لكن نقول : إنّه لا يمكن للشارع أن يجعل قول أعلم جميع العلماء حجّةً على المكلّفين ، أمّا أوّلًا فلأنّ الخواصّ بل أعاظم المجتهدين لا يتمكّنون من تشخيص الأعلم بالنسبة إلى جميع الأعصار ، لخفاء غالب فتاوى السلف ، وربّ فقيه لم يصنّف ديواناً ولا كتاباً بل ربّ فقيه لم يذكر اسمه في التاريخ ولم يذكر حاله في التراجم مع احتمال كونه أعلم الموجودين والمعدومين . فتكليف العوامّ بالرجوع إلى الأعلم تكليف بما لا يطاق للزوم العسر والحرج بل تكليف بغير المقدور إذ مع احتمال وجود فقيه أعلم في الأعصار السابقة وإن لم يكن له كتاب ولم يكتب فتاواه لا يجوز الرجوع إلى غيره ولا يجوز أخذ فتاوى غيره إذا كان مخالفاً للاحتياط .
وأمّا ثانياً فلأنّ اشتراط الأعلم من الجميع موجب لعدم اعتبارالحيوة رأساً إذ قلّ أن يتّفق وجود حيّ أعلم من جميع السلف ، فنفس اعتبار الأعلم
رسالة في الإجتهاد والتقليد — صفحة 206
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٠٦