في بعض المسائل لا يتمكّن الفقيه من الإفتاءِ بالحكم الواقعيّ ولا يتمكّن أيضاً من البراءة لأنّه لا يدري هل حصل له العلم بالحجّة أم لم يحصل فلا يدري أنّ المقام من قبيل مقام الإفتاء أو من قبيل مقام البراءة ، لأنّه لو حصل له العلم بالحجّة على الحكم فلابدَّ له من العمل على طبقه ويجوز له أيضاً أن يُفتي بما علم . ولو لم يحصل له العلم ولم تتمَّ عنده الحجّة كان المقام مقام إجراءِ البراءة لأنّ الشكّ في الحجّية مساوق لعدم الحجّية ، فإذا شكّ وتردّد في حالته النفسانيّة في أنّه حصل له العلم أو حصل له الشكّ لا يجوز التمسّك بالبراءة لكون الشبهة مصداقيّة .
ودعوى أنّ الإنسان لايشكّ في حالته النفسانيّة أبداً بل عالمٌ به دائماً لمكان إحاطة النفس بعوارضها من الحالات والكيفيّات ، غير مسموع ؛ لأنّك كثيراً ما شككت في أنّ الكيفيّة الحاصلة للذهن هل هو ظنٌّ أو شكٌّ ، وإذا سُئلت عن قيام زيدٍ أو قعود عمروٍ لاتتمكّن من أن تقول بدءاً : إنّي شاكٌّ ولستُ بظانٍّ ، بل لابدَّ من التروّي وملاحظة علل حصول الظنّ ثم ملاحظة توازن الحالتين من احتمال الوجود والعدم بحيث ترى هل يكونان متعادلين أو أحدهما أقوى من الآخر ، فتارةً تقدر على أن تحكمَ بخصوصيّة الحالة النفسيّة بمجرّد التروّي في الجملة وأخرى لا تقدر عاجلًا بل يمضي زمانٌ معتدٌّ به .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المجتهد كثيراً ما يشتبه عليه لغموض المسألة وتوارد الأدلّة المتخالفة أنّ العلم هل حَصَلَ له بالحجّة على الحكم الإلزاميّ وأنّ دلالة هذه الرواية مثلًا هل صارت حجّة عليه أم حصل له الشكّ في الحكم الواقعيّ ، فإذاً يتردّد في الوظيفة الفعليّة ولا يقدر على الإفتاءِ بالحكم ولا على البراءة فيحتاط هو نفسه في المسألة ويكتب في رسالته أيضاً : « لا يترك الاحتياط في المقام » ونظائرَ هذه التعبيرات .
رسالة في الإجتهاد والتقليد — صفحة 123
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٢٣