والثالث : بلحاظ إلفاء التفريعيّة الدالّة على التراخي في بداية
فَالْمُدَبِّراتِ
و
فَالسَّابِقاتِ ،
وعدم الإتيان بها في بداية المجاميع الثلاث التي سبقتها ، أي
النَّازِعاتِ
و
النَّاشِطاتِ
و
السَّابِحاتِ .
وبيان ذلك أنّ فاء التفريع وردت في
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً
فدلّت على تفرّع صفة التدبير من صفة السبق ، وهكذا الأمر في
فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً
التي جاءت مع فاء التفريع الدالّة على تفرّع صفة السبق على صفة السَّبح والسرعة .
ونفهم من ذلك أنّ هناك مجانسة خاصّة بين المعاني المقصودة من هذه الآيات الثلاث ، لأنّها تقول :
السَّابِحاتِ سَبْحاً ، فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً ، فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ؛
ومفادها هو تدبيرها الأمور بعد أن سبقت إليها ، وكان سبقها بعد أن سبحت وأسرعت إليها في وقت النزول .
وعليه فإنّ مفاد السَّابِحَاتِ والسَّابِقَاتِ هي نفس الملائكة الْمُدَبِّرَاتِ التي وصفت بهذه الصفات بلحاظ كيفيّة نزولها لتنفيذ ما أُوكل إليها من تدبير الأمور .
ويمكن بنظرة أوسع اعتبار مجموع هذه الآيات الثلاث موافقاً لمفهوم الآية الشريفة القائلة :
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ .
« 1 »
فالملائكة المأمورون بتدبير الأمور للأشياء والحوادث ينزلون ، في حالٍ تكون معه أسباب وعلل تلك الأشياء والحوادث قد تجمّعت وتصارعت بينها للتأثير في وجودها وعدمها ، وفي بقائها وزوالها وفي أحوالها المختلفة ، لكنّ الملك المأمور بتدبير الأمر المبرم المحتوم الإلهيّ المتعلّق
هامش
( 1 ) صدر الآية 11 ، من السورة 13 : الرعد .