الإنْسَانِ وَشَمَائِلِهِ في التَّدْبِيرِ في خِلْقَتِهِ عَلَى مَا هي عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عِبْرَةً لِلإنْسَانِ في نَفْسِهِ . فَيَعْلَمُ أنَّهُ مِنْ طِينَةِ البَهَائِمِ وَسِنْخِهَا إذْ كَانَ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهَا هَذَا القُرْب ، وَلَوْلا أنَّهُ فَضِيلَةٌ فَضَّلَهُ بِهَا في الذِّهْنِ وَالعَقْلِ وَالنُّطْقِ كَانَ كَبَعْضِ البَهَائِمِ .
عَلَى أنَّ في جِسْمِ القِرْدِ فُضُولًا اخْرَى يُفَرِّقُ بَينَهُ وَبَيْنَ الإنْسَانِ كَالخَطْمِ وَالذَّنْبِ المُسْدَلِ وَالشَّعْرِ المُجَلِّلِ لِلْجِسْمِ كُلِّهِ .
وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعاً لَلْقِرْدِ أنْ يَلْحَقَ بِالإنْسَانِ لَوْ اعْطِي مِثْلَ ذِهْنِ الإنْسَانِ وَعَقْلِهِ وَنُطْقِهِ ، وَالفَصْلُ الفَاصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإنْسَانِ بِالصِّحَّةِ هُوَ النَّقْصُ في العَقْلِ وَالذِّهْنِ وَالنُّطْقِ . « 1 »
وقد أورد الدميريّ في « حياة الحيوان » .
والقرد حيوان قبيح مليح ذكيّ سريع الفهم يتعلّم الصنعة . حكي أنّ ملك النوبة أهدى إلى المتوكّل ( الخليفة العبّاسيّ ) قرداً خيّاطاً وآخر صائغاً ، وأهل إلى من يعلّمون القردة القيام بحوائجهم ، حتى أنّ القصّاب والبقّال يعلّم القرد حفظ الدكّان حتى يعود صاحبه ، ويُعلّمه السرقة فيسرق .
. . . وهذا الحيوان شبيه بالإنسان في غالب حالاته ، فإنّه يضحك ويطرب ويغني ويحكي ويتناول الشيء بيده ، وله أصابع مفصّلة إلى أنامل وأظافر ، ويقبل التلقين والتعليم ويأنس بالناس ، ويمشي على أربع مشية المعتاد ويمشي على رجليه حيناً يسيراً ، ولشفر عينيه الأسفل أهداب وليس ذلك لشيء من الحيوان سواه وهو كالإنسان ، وإذا سقط في الماء غرق كالآدميّ الذي لا يحسن السباحة . ويأخذ نفسه بالزواج والغيرة على
هامش
( 1 ) - « بحار الأنوار » للعلّامة المجلسيّ ، كتاب السماء والعالم ، ج 14 ، ص 666 ، طبعة الكمبانيّ ؛ وفي الطبعة الحروفيّة ( الحديثة ) . ج 64 ، ص 59 .