ونُعرض من جديد عن نفس الأسئلة والأجوبة ، ونلحظ فقط مستلزمات الكلام الأوّل ، فقد رأى في معرض دفاعه عن وجهة نظره الأولى لزوم عرض ملاكٍ ما في باب موافقة الفطرة ومعارضتها يثير بنفسه أسئلة جديدة ويستلزم أجوبة جديدة ، ويشيد بشكل كلّيّ فهماً دينيّاً جديداً .
فلا جرم أنّ شرب الخمر ، والزنا ، واللواط ، والربا التي كانت سائدة ورائجة في الأقوام السابقة كما هي رائجة عند الاوروبّيّين المعاصرين ، هي في نظره من الأمور التي لا تخالف الفطرة ، بل إنّها بحدّ ذاتها ليست حسنةً ولا قبيحة ، ولا معنى لأن تحلّل في شريعة ما وتُحرّم في أخرى .
ولا جرم أنّ الدين - وخاصّة الدين الإسلاميّ - الذي يمثّل في نظره طريقاً لإيصال الفرد والمجتمع لكماله اللائق جميع أحكامه فطريّة بهذا المعنى ، « 1 » سيكتسب وجهاً ومظهراً آخر ، وسيتّضح أنّ كثيراً من أحكام الدين الإسلامي يمكن أن تكون بشكل آخر مع احتفاظها بفطريّتها .
وهذه كلّها نوع من المعرفة الدينيّة تتناسب مع نوع المعرفة الإنسانيّة ومعرفة العالم ، أي أنّ المفسّر إن لم يكن له إدراك وفهم خاصّ عن الإنسان والعالم ، وعن مفهوم الحُسن والقبح ، وعن الاحتياجات الإنسانيّة ، فإنّه لن يستطيع الحكم أنّ زواج الأخت والأخ فطريّ أحياناً وغير فطريّ أحياناً أخرى ، أو أنّه أمر لا فطريّ ولا غير فطريّ .
ويتّضح من جديد أنّ موافقة أحكام الدين للفطرة أمر لا يمكن إثباته بالتجربة ، كما لا يمكن نفيه بالتجربة ، لأنّ زواج الأخت والأخ - وهو أمر اعتباريّ لا حقيقيّ - كان في بدء خلق الإنسان مجازاً ومشروعاً في نظره ، لأنّ غرض الشارع ومصلحة العالم كانت في تكثير نسل الإنسان ، والآن وقد انتفت هذه المصلحة فقد حُرِّم هذا الزواج .
هامش
( 1 ) - انظر « الميزان » للعلّامة الطباطبائيّ ج 14 في تفسير الآية 30 ، من السورة 30 . الروم .