ولقد أحاطت حقيقة جبرائيل ، ذلك الموجود المجرّد النورانيّ ، حين ظهر لرسول الله على تلك الصورة ، بمشرق العالم ومغربه ، لكنّه كان يتمثّل أحياناً بصورة دِحْيَة الكَلْبِيّ ، فكان رسول الله يراه في تلك الحال على حقيقته ، والآخرون يرونه ويتخيّلونه دحية ، في حين أنّه لم يكن دحية بل متمثّلًا بمثال وصورة دحية في أنظار الناظرين .
يقول ابن الفارض المصريّ العارف الجليل .
وَهَا دِحْيَةٌ وَافَي الأمِينَ نَبِيَّنَا * بِصُورَتِهِ في بَدْءِ وَحْيِ النُّبُوَّةِ
أجِبْرِيلُ قُلْ لِي . كَانَ دِحْيَةَ إذْ بَدَا * لِمُهْدِي الهُدَى في هيئَةٍ بَشَرِيَّةِ
وَفي عِلْمِهِ عَنْ حَاضِرِيهِ مَزِيَّةٌ * بِمَاهِيَّةِ المَرْئِيِّ مِنْ غَيْرِ مِرْيَةِ
يَرَى مَلَكاً يُوحِى إليه وَغَيْرُهُ * يَرَى رَجُلًا يُدْعَى لَدَيْهِ بِصُحْبَةِ « 1 »
الجهة الثالثة . قوله بكلّ بساطة أن لا لزوم لتكلّف الإنسان في رفضه لآراء العلّامة الطباطبائيّ ، لأنّ للعلّامة أصول مفروضة ومسلّمة لهذا المدّعى يكفي لردّها أن يرفض الإنسان - كما فعل كَانْت - أسس ما وراء الطبيعة ، وحينئذٍ سينهار بناؤه ويتداعى .
وكانت عين عباراته هي .
ونضيف إلى ذلك بأنّ مسلّمات العلّامة الطباطبائيّ ليست هذه الأصول المعدودة المشهورة بأيّ وجه من الوجوه ، فقد افترض أيضاً اسساً في علم المعرفة ، مثل أنّ الإنسان يمكنه - خلافاً لرأي كانْت - أن يقيم فلسفة ما وراء الطبيعة ، وأن يُثبت فيها آراءً بالقطع واليقين ، وأنّ رأي ما وراء الطبيعة يمثّل معنى وليس بلا معنى - كما يزعم فلاسفة المذهب التحليليّ الجدد - وعلى هذا يكفي أن يتبنّى الشخص آراء كانْت ، أو حتى
هامش
( 1 ) - « ديوان ابن فارض » التائيّة الكبري ، ص 73 ، الأبيات 280 إلى 283 .