وجوب تحصيل العلوم الأهمّ وترك العلوم المهمّه لضرورات ضيق
ممّا لا ريب فيه أنّ دائرة العلوم قد اتّسعت إلى حدّ كبير وهائل ، وأنّ فرصة تعلّمها واكتسابها من قبل الإنسان ضئيلة ومحدودة جدّاً ؛ فلو صرف الإنسان جميع عمره في اكتساب فنٍّ واحد ، للدرجة التي يطّلع فيها عليه تحقيقاً ويصبح استاذاً أخصّائيّاً فيه ، فلا ضامن له في وصوله للإحاطة التامّة بجميع أطرافه وجوانبه ودقائقه ، فضلًا عن أن يحاول التخصّص في فنّين أو أكثر .
لذا فإنّ على الإنسان أن يوازن بين مدّة عمره الصالحة للتعلّم ، وبين احتياجه من ذلك العلم النافع الذي يرغب في اكتسابه ، فيصرف الساعات والأيّام في تعلّمه ليحصل على الغاية التي يتوخّاها ؛ « 1 » أمّا لو جدّ الإنسان واجتهد ، فاكتسب بالمشاقّ والمتاعب والسهر العلومَ المختلفة التي لا تنفعه ، فلن يكون نصيبه إلّا الوبال والخسران والندم ، فتكون حاله كمن قضى العمر ببناء البيوت والعمارات الكثيرة على أمل أن يُعمَّر ، وكلّما فرغ من عمارة لم يستفد منها ولم يسكن فيها ، بل شدّة الأمل والحرص يدفعانه إلى بناء بناية أخرى ، حتى يأتيه الموت فجأة فيخطفه ،
لا مَالًا حَمَلَ وَلا بناءً نَقَلَ . « 2 »
هامش
( 1 ) - أورد الشيخ هادي كاشف الغطاء في « مستدرك نهج البلاغة » ص 165 و 166 عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال .
أقَلُّ النَّاسِ قِيمَةً أقَلُّهُمْ عِلْماً ؛ وَمَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ في صِغَرِهِ لَمْ يَتَقَدَّمْ في كِبَرهِ . . .
حتى يقول :
العِلْمُ أكْثَرُ مِنْ أنْ يُحْصَي فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيءٍ أحْسَنَهُ . ثُمَّ أنشَأ يَقُولُ
:مَا حَوَي العِلْمَ جَمِيعاً أحَدٌ * لَا وَلَوْ مَارَسَهُ ألْفَ سَنَة
إنَّمَا العِلْمُ بَعِيداً غَوْرُعه * فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيءٍ أحْسَنَه( 2 ) - الخطبة 112 من « نهج البلاغة » طبعة مصر بتعليقة محمّد عبده ، ج 1 ، ص 224 ، ومن جملة فقراته :
وَمِنَ العَنَاءِ أنَّ المَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأكُلُ وَيَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُ ، ثُمَّ يَخرُجُ إلى اللهِ لَا مَالًا حَمَلَ ، وَلَا بِنَاءً نَقَلَ .