ولقد خبط المؤلّف فيما نقلناه عنه خبط عشواء ، إذ لم تنحصر أخطاؤه وهفواته في كلّ سطر من كلامه ، بل تعدّت ذلك إلى كلّ عبارة وجملة .
فَأوّلًا . إنّ كتاب التوراة من الكتب السماويّة النازلة على موسى ، على نبيّنا وآله وعليهالسلام ، وكلّه صحيح ومبارك عدا موارد تُعدّ على الأصابع جرى تحريفها وتغييرها ، وهي موارد مشخّصة ومعيّنة ، أوّلها المطالب المخالفة للعقل المستقلّ ، لأنّها تنسب الخطأ إلى الله ، وتحكي غلبة الشيطان على الله في خلق آدم ، لأنّه بيّن لآدم ما أراد الله إخفاءه عنه ، « 1 » وأمثال ذلك .
هامش
( 1 ) - تبيّن التوراة بشأن علّة إخراج آدم من الجنّة نظريّة تخالف النظريّة القرآنيّة تماماً ، فالقرآن يعدّ الله مصلحاً والشيطان ماكراً ، في حين تعدّهما التوراة عكس ذلك ، وهذا ما يدعو للتعجّب ، فكيف يقدّم كتابٌ هادٍ للبشر كالتوراة باسم العقيدة خالق العالم على أنّه ماكر ومحتال ؟ !
يقول القرآن الكريم إنّ الشيطان قد خدع آدم بقوله إنّك إن أكلت من هذه الشجرة لكنتَ من الخالدين في الجنّة ، في حين لم تكن الحقيقة كذلك ؛ فالله سبحانه قبل أن يأمر الشيطان بالسجود لآدم فقد أعطى آدم العلم والمعرفة .
وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ؛ بل إنّ تلك الشجرة ، حسب العقائد الإسلاميّة ، كانت شجرة سيّئة ، كشجرة الحسد والبخل والحقد ، فحين أطاع آدم الشيطان فأكل من تلك الشجرة صار موجوداً مادّيّاً يعتريه الحسد والبخل والحقد ، فابعد عن الجنّة محلّ المنزّهين .
) يقول في الآيات 115 إلى 121 ، من السورة 20 . طه ) .وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماًوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبىفَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقىإِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرىوَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحىفَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلىفَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىفالقرآن الكريم يعدّ الشجرة شجرة خبيثة ، ويعدّ الشيطان الذي قال عن الشجرة إنّها شجرة الخلد كاذباً وعدوّاً لآدم . لكنّ الأمر في التوراة معكوس تماماً ، فهي تقول إنّ الشجرة كانت شجرة المعرفة ، وإنّ الله أراد لآدم البقاء في الجنّة ولكن بلا علم واطّلاع ، فدعى الشيطان آدم للأكل من شجرة المعرفة ، فأكل منها واكتسب العلم والمعرفة فشاهد نفسه عرياناً .
فحسب كلام التوراة فقد كان الشيطان صادقاً ونصوحاً لآدم إذ هداه إلى الحقيقة والوقائع لكنّ الله كان يريد إبقاء آدم بلا علم ومعرفة فمنعه من الأكل من الشجرة .
فالتوراة تقول إذن إنّ الله والدين يدعوان إلى الجمود والخمول وعدم المعرفة والبصيرة ، ويريدان إبقاء الإنسان في قوقعة الجهل ، وعلى الإنسان - لانتزاع نفسه من هذه القوقعة باكتساب المعرفة - أن يبتعد عن دائرة تعاليم الدين ، لأنّها جهل وعمى ومقرّرات تحجب ملامح الحقائق والواقعيّات .
لذا يمكن القول إنّ تعليمات التوراة هذه مثّلت الجناية الكبرى بحقّ البشريّة ، لأنّها ساقت إليه ود والمسيحيّين للتمرّد على التعاليم الدينيّة .