1 - وخرق العادات هذا كلّه الحاصل بجمع نفس الإنسان يحدث فقط حين تلقى النفس هواها فتتضاعف قواها ، فتمنح فعلها لكلّ ذرّة من ذرّاتها .
2 - وحسبك لعظمة وجلالة هذا الجمع الذي لا يفرّق بين مكان معيّن وغيره ، ولا بين زمان معيّن ومقدّر وغيره . ( بل الأمكنة كلّها والأزمنة كلّها عنده سواء ، لذا فإنّ خرق العادات الناشئ من هذا الجمع لا يحصل إلّا لمن تخلّص من محنة تفرقة الزمان والمكان موصلًا نفسه إلى فضاء الجمع الواسع ، ولهذا فإنّ جميع معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء تستند على هذا الجمع كما سيعدّدها بنفس هذا الأسلوب واحداً واحداً في أبياته اللاحقة ) .
3 - فبذاك الجمع علا نوح فوق الطوفان وسلّطه على قومه ، وبذاك الجمع نجا الناجون من قومه في السفنية .
4 - وبذاك الجمع غاض ذلك الماء الكثير الطافح الذي تدفّق بطلبه أمطاراً منهمرة مستمرّة ، وأسرع نوح بسفينته إلى جبل الجودي فرست عنده .
5 - وبالجمع سار سليمان بجيوشه من الجنّ والإنس فوق الأرض ، جالساً على بساطه وفراشه على متن الريح .
6 - وبالجمع احضر لسليمان عرش بلقيس من مدينة سبأ بلا مشقّة أو تعب قبل أن يرتدّ نور عينه إليه ا . « 1 »
هامش
( 1 ) - كانت عبارة الشعر « وقبل ارتداد الطرف أحضر من سبأ » ، وقد استخدمنا في شرحها لفظ « قبل ارتداد نور عينه إليه ا » خلافاً لما يشيع على الألسن خطأ من أنّ ارتداد الطرف هو غمضها ، وذلك لأنّ الارتداد بمعنى الرجوع .
ارتدَّ يرتدُّ ارتداداً بمعنى رجع وعاد ، وعليه فيكون معنى « قبل ارتداد الطرف » هو قبل عودة نور العين إليه ا بعد خروجه منها ، وذلك لأنّ الإنسان يرى الأشياء بواسطة موج
يسقط من العين على ذلك الشيء ، فيعود إلى العين مصوّراً فيها صورة ذلك الشيء وشكله . وزمان عودة النور هذا قيصر لدرجة تفوق التصوّر ، لأنّ سرعة حركة الأمواج الضوئيّة ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية ، لذا فإن نظرنا إلى شيء يبعد عنّا مائة وخمسين ألف كيلومتراً فإنّنا سنراه بعد ثانية ، واحدة .
فلاحظوا أنّ الأشياء التي تبعد عنّا كيلومتراً واحداً أو أقلّ ستُرى خلال ثانية أو أقلّ من ذلك ، وفي هذه الحالة فإنّ معنى ( قبل ارتداد الطرف » . قبل عودة نور العين إليه ا ) أنهم أحضروا لسليمان عليه السلام عرش بلقيس من مدينة سبأ في مدّة قصيرة تقرب من الصفر الحقيقي ، وهو زمن أقلّ بآلاف المرّات من فترة غَمض العين التي قد تزيد على ثانية واحدة . وهناك مصطلح آخر لإغماض العين في اللغة العربيّة كغمض العين ونحوه . وأمّا طرفة العين بدون إضافة الارتداد فهي كلمحة العين بمعنى الرؤية والإبصار بدون لحاظ معنى رجوع نور العين . وعليه فإنّ معنى ارتداد طرف العين يختلف عن معنى طرفة العين أو لمح العين .