فمعنى التَّسوية بين كلِّ إنسان في الأكل والشُّرب هو إعطاءُ كلٍّ منهم ما يَستحِقُّه ، لا أن يُعطي كلٌّ منهم بقَدْر ما يُعطي الآخر كمًّا وكيفاً . فكيف وقد يحتاج الرَّضيع إلى قليلٍ من اللبن بامتصاصِهِ ثَدْيَ امِّه ، وأمَّا البَطَلُ المِقْدَام قد يحتاج إلى نَعجةٍ يذبحها ويأكلها عن آخرها في دفعةٍ واحدةٍ ؛ فكيف يُعقل التَّساوي بينهما .
إن لبن الرَّضيع لا يكفي لجُرعةٍ واحدةٍ لهذا البَطَل ؛ ولقمةٌ وَاحدةٌ من لحم النَّعجَةِ كافيةٌ لهلاك الرَّضيع .
المريضُ يحتاج إلى الاستراحةِ والحِمْيَة وشربِ الدَّواءِ ؛ والمعافى يَسيحُ في الأرض مع أقراصِ خُبْزِهِ وماءِ كوزِهِ ؛ والحكيم يُعطي كلَّ واحدٍ منهما ما هو لازم لحياتهما ، فيُعطي الأوَّلَ للأوَّلِ ، والثَّاني للثَّاني ؛ ولو عَكَسَ لأهلكهما بلا تأمُّلٍ ، وحاشا للحكيم أن يَفْعَلَه ، فَتنقلب حكمتهُ إلى سَفاهةٍ ، واسمُه الحكيمُ إلى السَّفيه .
والذي تقتضيه الفِطرة في الوظائِف والحقوق الاجتماعيَّة بين الأفراد أن يساوي بينهم في الحقوق ؛ وهذا التَّساوي بمعنى إعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه ، لا التَّساوي في الكمِّ والكَيْفِ والجِدَة والأين وسائر الأعراض .
ولا يوجب أن يُحبي بعضٌ ويُضْطهد آخرون بإبطال حقوقهم ، لكن مقتضى هذا المعنى من التَّسوية السَفَهيَّة أن يُبذَل كلُّ مقامٍ اجتماعيّ لكلِّ فردٍ من الأفرادِ ، فيُعطى للمتعلَّم البسيط مَقامُ المعلِّم الشامخ ، وللجَبانِ الضَّعيفِ مقامُ البَطَلِ الشُّجاع ؛ وهل هذا إلَّا إفساد كلٍّ منهما ثمَّ إفساد المجتمع ؟ ! .
بل الذي يقتضيه العدلُ الاجتماعيّ هو التَّساوي بين الأفراد بميزان حقوقهم الفطريَّةِ واستحقاقهم الاكتسابيّ ،
( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ )
« 1 » .
هامش
( 1 ) الآية 286 من سورة 2 : البقرة .