فالتَّساوي في نيل كلِّ ذي حقٍّ حقَّه لا يوجِب أن يُزاحم حقٌّ حقّاً أو يُهمِلَ أو يُبْطِلَ حقّاً على سبيل التحكُّم والبَغي والعُدوان .
وهذا هو الذي أفاد قولُه تعالى :
( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ )
.
فالآية نَادَت بأعلى صوتِها التَّساوي بينهما في عين تقرير الاختلاف وتثبيت التَّفاوت .
وأنت خبير بأنَّ المُساواة السَّفَهيَّة بين الرَّجل والمرأة على أنَّها لا يمكن أصلًا أن تتحقَّقَ وإلّا لانجرَّ إلى الالتزام بحمل الرِّجال النتائج ووضعِهم وارضاعِهم إيَّاها فتكون حَرثاً ، وإلى فُحُوليَّةِ النِّساءِ فيُتَّخَذْنَ للضِّراب ؛ وهل هذا إلَّا اضحوكةٌ للشابِّ والهَرِم ؛ يُؤدِّي إلى خرابهنَّ وخرابهم وهَدمهنَّ وهَدمهم .
وها نحن ننظر الآن إلى المَدَنيَّة الغربيَّة كيف هَدَمَت أساسَ الاجتماع المنزليّ ، وأزالَت الرَّاحَةَ والسُّكونَ عن المجتمع بإدخال النِّساءِ في اجتماعات الرِّجال وإعطائِهنَّ من الحقوق ما يساوي كمَّاً وكيفاً بعين ما تعطيه الرِّجالَ من الحقوق .
أمَّا الإسلام فيُنازعُ هذا التَّفكير ، ويُخاصم هذا التَّدبير ، ويَحْكُم باشتراك الرَّجل والمرأة في أصول المَواهب الإنسانيّة وهي الاختيار وما يتولَّدُ منه من الفِكر والإرادة والعَمَل .
فللمرأة الاستقلال بالتَّصرُّف في جميع شؤون حياتها الفرديَّة والاجتماعيَّة ؛ وقد أعطاها الإسلام هذا الاستقلال على أتمَّ الوجوه ؛ فصارت بنعمة الله وفضله مُستقلَّةً بنفسها ، مُنفكَّةَ الإرادة والعمل عن الرِّجال ، واجدةً لما لم يَسمح لها الدُّنيا في جميع أدوارها ، وَخَلت عنه صحائِفُ تاريخ وجودها ؛ قال اللهَ تعالى :
( فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ