وقد قلت في بعض كتبي « 1 » أنه من المؤسف حقاً غياب القرآن عن مناهج الدراسة الحوزوية ، فقد نظمت بشكل لا يحتاج فيه الطالب إلى التعمق في القرآن الكريم من أول تحصيله إلى نهايته ولا يمر به إلا لماماً عند الاستدلال على قاعدة نحوية أو مبحث أصولي أو مسألة فقهية ، فأصبح مسرحاً للتدقيقات العقلية ولم يتخذ غذاءً للقلب والروح ودواءً للنفس ، وربما يبلغ الحوزوي مرتبة عالية في الفقه والأصول وهو لم يحيَ حياة القرآن ولم يخُض تجربة التفاعل مع القرآن واستيعابه كرسالة إصلاح ، وقد تمر الأيام والأسابيع ولا تجد طالب العلم يمسك المصحف الشريف ليتلو آياته ويتدبر فيها لعدم وجود صلة روحية عميقة بينه وبين القرآن ، ولو وجد فيه زاده وغذاءه الذي يغنيه عن غيره لما استطاع تركه ، وهذه مصيبة عظيمة للحوزة والمجتمع ، وربما لا يحسن بعضهم قراءته مضبوطةً بالشكل .
ولما كانت رسالة الحوزة الشريفة التي تصدت لحملها هي إصلاح المجتمع وتقريبه إلى الله تبارك وتعالى فإن أول مهمة لهم هي فهم القرآن والسعي إلى تطبيقه فإن الأمة لا تكون بخير إلا إذا تمسكت بقرآنها واهتدت بهديه واستضاءت بنوره كما هو نص حديث الثقلين المشهور :
( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ) « 2 » .
جاهلية اليوم
إن البشرية تعيش اليوم جاهلية جديدة - وإن تسمى بعضهم بالإسلام - بحسب المفهوم الذي يعطيه القرآن للجاهلية ، إذ أنه لا يعتبرها فترة زمنية انتهت بطلوع شمس الإسلام بل هي حالة اجتماعية تتردى إليها الأمة وينتكس إليها المجتمع كلما أعرض عن شريعة الله سبحانه
( أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ
هامش
( 1 ) وصايا ونصائح إلى الخطباء وطلبة الحوزة الشريفة ( وقد تقدم في هذا المجلد ) .
( 2 ) تقدم ذكره .