وتسلطها ومواقعها ومناصبها ، مع الاعتراف بأنها لا توصل للآخرة بل تصد عنها ، ويقول إنني ما زلت أرجع في الأمور الدينية إلى الجهة الفلانية التي يعتقد أنها مبرئة للذمة أمام الله تعالى ، وكأنّه لا تنافي بين الأمرين ، وأنّه يمكن أن يكون مع جهة في دينه ، ومع جهة أخرى في دنياه ، وهو بذلك يخدع نفسه
« يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ »
( النساء : 142 ) فهم ممن وصفهم الله تعالى
« مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا »
( النساء : 143 ) .
فمثل هذا الشخص يسقط ولا يستطيع المقاومة حتى النهاية ، فإذا أراد الخير لنفسه فليحزم أمره وليتخذ موقفاً حاسماً بأن يجعل الله تعالى نصب عينيه ويختار ما فيه سلامة دينه ويتّبع الجهة التي تبرأ ذمته وتوصله إلى الفلاح فيما يحب ويكره ، فيأتمر بأمرها وينتهي بنهيها ويعمل ضمن إطارها .
كربلاء : كانت نموذج لصراع الدنيا والآخرة :
وأمامنا مثالان من كربلاء وهُما يعبّران عن حالة التنازع هذه والنتيجة التي انتهوا إليها .
أحدهما : عمر بن سعد فقد حاول أن يتجنّب قتال الحسين عليه السلام ويبتعد عن هذه الجريمة العظمى بالتوجه إلى إحدى الولايات ، لكنّه بقي محباً للدنيا مع ابن زياد وله طمعٌ في نيل ولاية الري وجرجان ، حتى وصل إلى مفترق الطريق عندما كلّفه ابن زياد بقيادة الجيش الذي خرج لقتال الحسين عليه السلام ، وبات تلك الليلة في حيرة وترددٍ شديدين كما يظهر من أبياته الشعرية التي قالها :