لكن ليس كل النسب يمكن تجريدها ، لأن جملة من النسب إذا جردت عن معنى الحرف واستعمال الأداة ، لم يتعين معناها أصلا . فاحتاجت إلى الأداة ، كحروف الجر والاستفهام والتمني والترجي .
ويخطر في الذهن التنظير بعمر وعمرو . فقد وضعت الواو للتمييز بينهما وضع الاختلاط .
وكذا وضع الألف بعد واو الجماعة للتمييز بين إسنادها إلى المفرد وإسنادها إلى الجمع .
فاقتضت الضرورة التفهيمية ، والذوق اللغوي ، استعمال الأدوات وجعلها قرينة متصلة على معنى النسب الواقعية ، لأنها لو كانت سياقية فقط ، لما تضح معناها .
ومن المفيد ان نضيف : انه يوجد نفس الشيء في اللغات الأخرى . وعندي اطلاع نسبي على اللغتين الفارسية والإنكليزية ، وفيها إقامة قرينة متصلة على النسبة التامة الخبرية . ومثاله في الفارسية ( است ) وفي الإنكليزية
) si (
. ووجوده لا ينافي النسبة الواقعية بل يؤكدها .
فان قلت : كيف تكون النسب واقعية ، مع أنها خارجية أو لفظية . متشخصة بترتيب الحروف تارة وترتيب الكلمات أخرى وترتيب الجمل ثالثة . وهذا الترتيب لفظي خارجي وليس واقعيا .
وجوابه :
أولا : ان الترتيب أصلا ، واقعي وليس خارجيا ، كالفوقية والتحتية . وإنما يكون منشأ انتزاعها خارجيا .
ثانيا : اننا لو سلمنا بخارجيته ، فليس هو النسبة حقيقة ، بل هو دال على النسبة ، وتكون النسبة في طوله . ومن أمثلته : تقديم اللفظ للدلالة على التأكيد أو الاختصاص .
مثل : إياك نعبد . والا فنسبة المفعولية هي نفسها لم تتغير .
ومن هنا يمكن تعريف النسب والحروف ، بأنها : الأمور الواقعية التي تقوم بطرفين ذاتا ، على أن تكون منسوبة إلى عالم الألفاظ أو عالم الذهن . لوضوح ان ما في عالم الخارج أو الواقع من النسب لا يصدق عليها انها حروف .