الحرج جواز ارتكاب الدم ، لما مر من أن الشر والضرر المتوجه إلى الغير يكون وجوب دفعه بتحمل الضرر على النفس حرجياً .
وإن شئت قلت : إيجاب حفظ نفس الغير أو حرمة قتله بإيقاع الضرر على نفسه حرجي ، سيما إذا كان الضرر المتوعد عليه من النفوس أو الأعراض المتعلقة به ، فمع قيام الدليل الشرعي لا قبح لحكم العقل وترجيحه .
ولو قلنا بأن المستفاد من دليل نفي التقية في الدماء الحرمة ، فإن قلنا بأنه شامل لجميع أنحاء التقية في عرض واحد وكان مفاده تحريمها مطلقاً في الدم ، تكون النسبة بينه وبين دليل نفي جعل الحرج العموم من وجه ، لأن عدم التقية في الدم أعم من أن يلزم الحرج في تركه . وعليه يكون دليل نفي الحرج حاكماً عليه كحكومته على ساير الأدلة . وكون دليل التقية من الأحكام الثانوية لا ينافي الحكومة المتقومة بلسان الدليل مع أن قوله : ( فلا تقية ) حكم أولي متعلق بعنوانها .
وإن قلنا بأن روايات نفي التقية بلحاظ قوله : ( إنما جعلت التقية لتحقن بها الدم ) ناظرة إلى قضية عمار ، كما أشرنا إليه ، تكون واردة مورد الإكراه الذي هو مورد قضية عمار ، فلا محالة لا يجوز إخراجه بدليل الحرج ، للزوم إخراج المورد ، وهو مستهجن . ومع بقاء مورد الإكراه كذلك ، أي عدم جواز إراقة الدم مع الإكراه ، والتوعيد على القتل لا يجوز إخراج ما عداه بالضرورة ، فإن القتل إذا لم يجز مع التوعيد على القتل لا يجوز مع ما دونه وما هو أهون منه .
فقه المشاركة في السلطة — صفحة 285
مساهمون: الشيخ محمد اليعقوبي
ص٢٨٥