تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
السلام : ( إنَّ الله أعلى وأجلّ وأعظم من أن يُبلغ كنه صفته ، فصِفوه بما وصف به نفسه ، وكفّوا عمَّا سوى ذلك ) « 1 » ، وعن الإمام الصادق عليه السلام : ( عجز الواصفون عن كنه صفته ، ولا يطيقون حمل معرفة إلهيته ، ولا يحدّون حدوده ، لأنه بالكيفية لا يتناهى إليه ) « 2 » ، فمن هذا المنطلق تنبثق إشكالية مُؤدَّاها : ما هو السبيل إلى معرفته تعالى ؟ لا ريب أنَّ هنالك طُرقاً عديدة أشار إليها القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، ولكن أقربها إلى الفهم البشري العامّ وأقدرها على ملء الوجدان والعقل بالإيمان هي المعرفة التي نحصل عليها من خلال مخلوقاته تعالى ؛ قال تعالى : أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( الغاشية : 17 - 20 ) ، ولعلَّ هذا هو السرّ في تأكيد القرآن على هذا النحو من الاستدلال ، فهو ينسجم مع الناس كافّة ، ولكن دون أن يغضّ الطرف عن الأدلّة الأُخرى التي يغلب عليها الطابع الفلسفي « 3 » .
هامش
( 1 ) أُصول الكافي : ج 1 ، ص 102 ، ح 6 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 1 ، ص 137 ، ح 2 . ( 3 ) يُمكن القول بأنَّ هذه المعرفة على جودتها إلا أنها ليست طريقاً مُباشراً للذات ، وإنما هي برهان إنِّيّ غايته التعرّف على إثبات الواجب ومدى قدرته على إيجاد ذلك الخلق ، وهذا الخلق بأسره ليس إلا آية وعلامة على أصل وجود الخالق وسعة قدرته ، وأما ما هو الخالق ؟ وما هي حقيقته فغير معلومة لدينا ، وبالتالي سوف تبقى المعرفة محالة ، فالعلم بالآية لا يلزم منه العلم بحقيقة ذي الآية ، وعليه فالبرهان الإنِّيّ يبقى عاجزاً عن إيصالنا إلى المعرفة بالذات ، وتبقى معرفتها محالة ، وليس هنالك من طريق ؟ هذا أولًا . وثانياً : إنَّ فتح باب المعرفة من خلال المخلوقات مُؤدَّاه أن المشكلة ليست في العلم وإنما تكمُن في آليته ووسيليّته والحدّ الأوسط ، إذ لو كانت في العلم لكان مُتعذَّراً مهما كان الحدّ الأوسط ؟ / / والجواب : إنَّ المستحيل هو تحقّق المعرفة الاكتناهية دون المعرفة بوجه ، والمعرفة الاكتناهية تعني ابتداءً معرفة المصداق على ما هو عليه بكلّ حقيقته ، ومَثَله في المعرفة الحضورية يكون بالإحاطة بكلّ المعلوم ، وهو ممتنع في علم المعلول بالعلّة ، نظراً لتعذّر إحاطة المتناهي باللامتناهي ، ومن ثم تقف هذه المعرفة بحدود وجود المعلول وقدره ، وفي المعرفة الحصولية تكون المعرفة الإكتناهية بالتعرّف على تمام حقيقة المصداق ، وهي جنسه القريب وفصله الحقيقي ، وهو معقول في المصاديق الممكنة - إن توفّرنا على فصولها الحقيقية - وأما بالنسبة لله تعالى وأسمائه فهو ممتنع ، وذلك للسببين التاليين : الأول : لعدم وجود ماهية للذات المقدّسة ، وفقاً للمباني الحكمية السائدة والمشهورة ، وعليه تنتفي المعرفة الحصولية الاكتناهية ، والتوفّر على مفاهيم حاكية عن المصداق على ما هو عليه . والثاني : إنَّ المفهوم قاصر في نفسه عن حكاية المصداق غير المتناهي لمحدوديته بالحمل الشائع وبما هو وجود ذهني منعزل ومُباين ومُغاير بطبيعته للمفهوم الآخر ، فإنَّ مفهوم العلم مهما تمّ تجريده عن الخصوصيات المادّية وغيرها يبقى مُبايناً لمفهوم القدرة . ومن ثمَّ فالمفاهيم مهما تكثّرت بضمّ بعضها إلى بعض تبقى محدودة فلا يتسنَّى لها الحكاية عن اللامحدود على حقيقته ، وهذا معناه انحصار معرفتنا الحصولية به تعالى في حدود المعرفة بوجه ، وهي بين أن تكون بطريق الإنّ أو طريق الملازمات العامّة ، على تفصيل موكول إلى مظانّه . وقد تقدَّمت منّا بعض البيانات النافعة في مطلع موضوعة : التأسيس للتوحيد الربوبي ففيها بعض التوجيهات للمعرفة الإحاطية ، اعتمدنا فيها على صدق هذا العنوان بلحاظ كمال القارئ لا المقروء ، فراجع ، وسوف تأتينا بيانات أُخرى في موضوعة الإحاطة ، في أواخر الفصل اللاحق ، فانتظر . منه ( دام ظله ) . .