تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
الحضور ، وهذا أشبه ما يكون بمن وصف الشهد وآخر تذوّقه ، فالأوّل مهما بلغ من الوصف فهو بعيد عن حقيقة الشيء ، بخلاف الآخر الذي تطبَّع بحقيقة الشيء . إذا اتّضح ذلك فإنّ من البيّن لنا أنَّ السواد الأعظم ممَّن تعاطى مع مقولة الأسماء الإلهية إنما تعاطى معها بآلة الصورة الذهنية التي عادة ما تتدخّل شخصية العالم بها في رسم ملامحها ، ولأجل هذه النكتة الدقيقة فقد نهى الإمام محمد الباقر عن التزوّد بمثل هذه الصور في مجال الذات المقدّسة وأسمائها الحسنى ، حيث يقول عليه السلام : ( كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم ، مردود إليكم ) « 1 » ، لأنه صورة ذهنية ونتاج ذهني خالص ، وهو مخلوق لكم فكيف يحكي الخالق ، وبعبارة أُخرى : إنه لا يحكيكم وأنتم مصدره فكيف تكون له المكنة في حكاية مصدركم ؟ إنَّ هذا الحديث وغيره من مجموع الأحاديث التي دلّت على الحظْر والمنع من التفكير بذات الله تعالى قد حدّدت جهة المنع وهي التفكّر بذات الله تعالى ، وهو تعبير يُشير إلى المعرفة الحصولية التحقيقية البرهانية المبتنية على التفكير والتفكّر والاستدلال والاستنباط العقلي ، لأنَّ هذا النوع من التفكّر في الذات الإلهية يُوقع صاحبه في تيه وضلالة ومهالك ؛ ولعلَّ من أقلّ مخاطره هو أنه يُوقع الإنسان في شَرَك الشِرك الخفيّ ، فصاحب البرهان التحقيقي يرى أنّ ما انطبع في ذهنه هو الله تعالى في حين إنّ كلّ ما حصل عليه هو مخلوق مصنوع مردود إليه « 2 » ، ولا ريب بأنّ هذا النمط المعرفي هو غير النمط المعرفيّ التحقّقي
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 66 ، ص 293 . ( 2 ) وقد ورد في بعض الأدعية الرجبية المروية عن الإمام الجواد عليه السلام ما يُشير إلى ضلال العقول عند التفكّر بالذات المقدّسة ، حيث يقول : ( اللهم خشعت الأصوات لك / / وضلّت الأحلام فيك ، وضاقت الأشياء دونك ، وملأ كلّ شيء نورك . . . ) . والمراد بالأحلام هي العقول . انظر : إقبال الأعمال : ج 3 ، ص 176 . .