الزاوية الثالثة : حرية الاختيار
أو ما يُمكن تسميتها بحرية السير باتجاه المُلتقى ، وهو ما يُمكن رصده في قوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، حيث يُبيِّن لنا المقطع ركيزة أساسية من ركائز الإسلام ، وهي الحرية الفكرية والدينية لمن لم يدخل الإسلام أو يتخذه ديناً ، فله أن يتعبَّد بما يشاء ، ولكنه يتحمّل تبعات أمره واختياره ، والهدف الذي يكمن وراء هذه الحرية هو قيام أمرين مهمّين ، الأوّل : ظهور الحقّ والباطل ، حيث عبَّرت الآية بأنه : ( قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) ، والثاني : هو تحكيم العقل في ذلك ، فالعقل السليم مجبول على التمييز بين الحقّ والباطل ، ويدعو صاحبه لاتخاذ الحقّ سبيلًا واجتناب الباطل .
هذه الزوايا الثلاث تُمهّد لنا وتُرشدنا إلى ما عليه المحور الملتقى ، فإنَّه لابدّ له من توفّره على هذه الزوايا ، فإن كان الملتقى وجوداً خارجياً فهو المجسّد لذلك والجامع لها بكافّة تفاصيلها ، فله هيمنة علمية وعملية ، وله أثر تكويني في الوجود ، وهو في علمه وقدرته عين الله تعالى المُبصرة ، ويده المتمكّنة .
وقد سجّل لنا القرآن الكريم هذه الحقائق وغيرها فيما يتعلّق بالإمام الجامع والمحور المُلتقى ، كما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( الفتح : 10 ) ، وله حاكمية مُطلقة دون أن تسلب الناس اختيارهم ، وهذا هو الثابت قطعياً في سيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام « 1 » .
وإن كان المُلتقى نصّاً قرآنياً لفظياً فقد توفّر ذلك في آية الكرسي ، وإن كان
هامش
( 1 ) ممَّا يُذكر في سيرته الشريفة عليه السلام أنه لم يعاقب الذين امتنعوا عن مبايعته ، بل عفا حتى عن كثير ممَّن جيَّشوا الجيوش وقاتلوه ، وأحدثوا الفتن العظيمة التي لازالت الأُمّة تعاني من آثارها وشرورها ، في حين إنَّ البعض كان يَقتل على الظنِّ والتهمة والشبهة ، ويُورِّث الخلافة لشرار الخلق ، ويُسمَّى بعد ذلك بأمير المؤمنين ! فلا حول ولا وقوّة إلا بالله تعالى . .