الأرض ينتفع به الناس .
ثمّ قال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ وختم به القول ، أي أنّ الأمثال المضروبة للناس في كلامه تعالى تشبه المثل المضروب في هذه الآية ، في أنّها تميّز الحقّ من الباطل وتبيّن للناس ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم .
والغاية من ضرب هذا المثل في الآية هو بيان أمور تعدّ من كلّيات المعارف الإلهية ، سواء على مستوى الأمور العينيّة والحقائق الخارجية ، أو على مستوى العلوم والاعتقادات « 1 » .
وخلاصة الوجه المُختار هو أنَّ القرآن الكريم بوجوده الخزائني المُعبَّر عنه قرآنياً بذلك وبألفاظ أُخرى هو أنه مُحكم كله لا مُتشابه فيه ؛ نظراً لمكنة عالمه من ذلك . فلمَّا حان تفصيله في ألفاظ وقوالب تنتمي إلى عالم الحسِّ والمادة اقتضى الأمر وقوع المُتشابه فيه بنحو لا معنى لتصوّر الاختيار فيه ، وبعبارة منطقية : إنَّ اقتصار ألفاظه ومعانيه اللغوية على المُحكم وحده سالب بانتفاء الموضوع ؛ ولذلك فكلَّما ارتقى القارئ المُتخصّص في عالم المجردات اشتدَّ إحكام القرآن عنده ، وكلَّما اعتنى بألفاظه استغرق بمُتشابهه ؛ فاللغة بطبعها تقتضي التشابه ، كما أنَّ التجرد المطلق يقتضي الإحكام بطبعه ؛ وعليه فإنَّ المتشابه لم يكن مقصوداً بذاته لوقوعه اضطراراً ، وإنما قُصدت نتيجته التي بها يُعرف الصادقون بصدقهم والمنافقون بنفاقهم ، وما شابه ذلك من نتائج لها صلة ببعدي الإيمان والطاعة .
الأمر الرابع : اختلاف المحكم والمتشابه باختلاف القارئ
أيّاً كانت الصورة التي عليها المُحكم والمُتشابه فإنَّ ذلك سوف يتأثّر كثيراً بشخصية القارئ ، بمعنى أنَّ شخصية القارئ المُتخصّص فضلًا عن غيره
هامش
( 1 ) انظر : أُصول التفسير والتأويل : ص 284 - 287 ؛ و : ص 480 - 485 . .