تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
للإذابة المصوغة منها آلات الزينة وأمتعة الحياة التي يتمتّع بها ، والمعنى : ويخرج من الفلزّات والموادّ الأرضية التي يوقدون عليها في النار طلباً للزينة كالذهب والفضّة أو طلباً لمتاع كالحديد وغيره ، يتّخذ منه الآلات والأدوات ، زبد مثل الزبد الذي يربو السيل ، يطفو على المادّة المذابة ويعلوه . ثمّ قال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالْباطِلَ أي يثبّتهما ، نظير ما فعل في السيل وزبده وما يوقدون عليه في النار وزبده . فالمراد بالضرب - والله أعلم - نوعٌ من التثبيت من قبيل قولنا : ضربت الخيمة أي نصبتها ، وقوله : ضُربت عليهم الذلّة والمسكنة أي أُوقعت وأُثبتت ، وضُرب بينهم سور ، أي أُوجد وبُني ، واضرب لهم طريقاً في البحر ، أي افتح وثبّت . وإلى هذا المعنى أيضاً يعود ضرب المثل لأنّه تثبيت ونصب لما يماثل الممثّل حتّى يتبيّن به حاله . فالجميع في الحقيقة من قبيل إطلاق الملزوم وإرادة اللّازم ، فإنّ الضرب - وهو إيقاع شيء على شيء بقوّة وعنف - لا ينفكّ عادةً عن تثبيت أمر في ما وقع عليه الضرب ، كثبوت الوتد في الأرض بضرب المطرقة ، وحلول الألم في جسم الحيوان بضربه ، فقد أطلق الضرب وهو الملزوم وأُريد التثبيت وهو الأمر اللازم . ثمّ قال تعالى : فَأمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ جَمَعَ بين الزبدين أعني زبد السيل وزبد ما يوقدون عليه وقد كانا متفرّقين في الذِكْر ، لاشتراك الجميع فيما يذكر من الخاصّة ، وهو أنّه يذهب جفاءً . وقد عدل عن ذكر الماء وغيره إلى قوله : وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ للدلالة على خاصّة يختصّ بها الحقّ ، وهو أنّ الناس ينتفعون به وهو الغاية المطلوبة لهم . والمعنى : فأمّا الزبد الذي كان يطفو على السيل ويعلوه أو يخرج ممّا يوقدون عليه في النار فيذهب جفاءً ويصير باطلًا متلاشياً ، وأمّا الماء الخالص أو العين الأرضية المصوغة وفيها انتفاع الناس وتمتّعهم في معاشهم فيمكث في