أو
للهروب من لوازم النصّ ، وهذا كثيراً ما يقع في موضوعات العقائد ، من قبيل ما جاء في قوله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ . . . ( الأحزاب : 6 ) ، فيقول البعض في ذلك : ( وحقيقة معنى الآية - والله جلَّ وعزَّ أعلم - أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر بشيء أو نهى عنه ، ثمَّ خالفته النفس كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه أولى بالاتّباع من الناس ) « 1 » ، ويُؤكّد آخر بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما دعاهم إليه ودعتهم أنفسهم إلى خلافه « 2 » ، دون أن يتعرَّضا لمسألة التصرّف ، وكونه صلى الله عليه وآله أولى بالمؤمنين بالتصرّف بأنفسهم ، لأنَّ المؤمنين بلا طاعة الرسول صلى الله عليه وآله يخرجون من ربقة الإيمان .
وأغرب من ذلك توجيه القرطبي للآية ، حيث يقول : ( هذه الآية أزال الله تعالى بها أحكاماً كانت في صدر الإسلام ، منها : أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصلّي على ميّت عليه دَين ، فلما فتح الله عليه الفتوح قال صلى الله عليه وسلم : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم . من تُوفّي وعليه دين فعليَّ قضاؤه ، ومن ترك مالًا فلورثته ) « 3 » ، ثمَّ يضيف : أخرجه الصحيحان .
وذكر في موضع آخر وجهاً أشدّ غرابة من سابقه ، حيث يقول : ( وأبيح له عليه الصلاة والسلام أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان ، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك ؛ لقوله تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) « 4 » ! فأين هذا من قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( الأنبياء : 107 ) ؟ !
وما كلّ ذلك إلا لأجل الهروب من لوازم الآية التي تُثبّت ابتداءً أولوية
هامش
( 1 ) معاني القرآن ، لأبي جعفر النحاس : ج 5 ، ص 324
( 2 ) تفسير الجلالين ، للسيوطي : ص 549 .
( 3 ) تفسير القرطبي : ج 14 ، ص 121 .
( 4 ) المصدر نفسه : ج 14 ، ص 213 . .