أنّ توغّل الإنسان في طاعة قوّة من قواه المتضادّة وإسرافه في إجابة ما تقترح عليه يوجب انحرافه في أفكاره ومعارفه بتحكيم جميع ما تصدّقه هذه القوّة على ما يعطيه غيرها من التصديقات والأفكار ، وغفلته عمّا يقتضيه غيرها .
والتجربة تصدّق ذلك ، فإنّ هذا الانحراف الذي نشاهده في الأفراد المسرفين المترفين من حلفاء الشهوة ، وفي البغاة الطغاة الظلمة المفسدين أمر الحياة في المجتمع الإنساني ، فإنّ هؤلاء الخائضين في لجج الشهوات ، العاكفين على لذائذ الشرب والسماع ، لا يكادون يستطيعون التفكّر في مسؤوليات المجتمع الإنساني ومهام الأُمور التي يتنافس فيها أبطال الرجال ، وقد تسرّبت روح الشهوة في قعودهم وقيامهم واجتماعهم وافتراقهم وغير ذلك . وكذلك الطغاة المستكبرون لا يتأتّى لهم أن يتصوّروا رأفة وشفقة ورحمة وخضوعاً وتذلّلًا حتّى فيما يجب فيه ذلك ، وحياتهم تمثّل حالهم الذي هم عليه في جميع مظاهرها .
فهؤلاء جميعاً سالكو طريق الخطأ في علومهم ، كلّ طائفة مكبّة على ما تناله من العلوم والأفكار المنحرفة المتعلّقة بما عندها ، غافلون عمّا وراءه ، وفيما وراءه العلوم النافعة والمعارف الحقّة الإنسانية . فالمعارف الحقّة والعلوم النافعة لا تتمّ للإنسان إلّا إذا
مناهج تفسير القرآن — صفحة 108
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٨