ولذا أرادوا أن يزيدوا التحقيق في مثل هذه المسائل ، ومع هذا نقول بأنّها ليست مختصّة بالاستدلال الفقهي ، بل هي عامّة .
والنتيجة : إنّ ما يصطلح عليه بعلم الأصول ، ليس علماً بالمعنى الفنّي للعلم ، فلا يتميّز عن باقي العلوم الحقيقيّة بمائز واقعيّ ذاتيّ ، وإنّما هو مجموعة من القواعد التي يحتاج إليها الفقيه في عمليّة استنباط الحكم الشرعي .
وعلى هذا الأساس ينبغي أن نعطي لعلم الأصول رؤية جديدة ، بحيث لا نجعله مختصّاً بالاستدلال الفقهي ، باعتبار أنّ الكثير من قواعده لا تختصّ بالاستدلال الفقهي ، وإن حاول البعض أن يضيّق زاوية النظر وجعلها فقط لعلم الاستدلال الفقهي .
وهذه الرؤية الجديدة تكمن في إعطاء الأهميّة القصوى لهذه القواعد المبحوثة في علم الأصول لكونها تفيد الطالب ليس في الاستدلال الفقهي فحسب ، بل في علم التفسير وسائر العلوم الأخرى ، والشاهد على ذلك في مثل بحث حجّية الظواهر ، حيث لا يمكن للإنسان أن يدخل إلى علم التفسير من دون أن يقبل بحجّية ظواهر القرآن الكريم .
وهكذا أيضاً لا يمكن لأحدٍ أن يدخل إلى المعارف الدينيّة في روايات النبي ( ص ) وأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) - في غير الفقه الأصغر - وهو لا يقبل حجّية الخبر الواحد ( بمعنى الكاشفيّة ) .
ومن هنا لا حجّة للقول بأنّ التخصّص في الحوزة يمكن أن يحصل من دون دراسة أبحاث علم الأصول ، فالمطلوب في الأبحاث الأصوليّة توسيع الدائرة ، وعندما نجد أنّ المسائل الأصوليّة تشمل غير مسائل علم الأصول ، علينا توسيع الدائرة ؛ لأنّها لا تكون نافعة فقط في عمليّة الاستدلال الفقهي خاصّة ، بل في علم التفسير وعلم العقيدة ، والتاريخ ، والأخلاق ، خصوصاً مع غياب أيّة دراسة وتحقيق لضوابط هذه العلوم في حوزاتنا العلميّة .
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 374
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٧٤