الجواز ، هي أيضاً تحتاج إلى مسألة أصوليّة أخرى لتنتج أثراً شرعيّاً وتكون مسألة أصوليّة ، وبناءً عليه - أي على الجواز - نحن نسأل : هل يستطيع المكلّف أن يمتثلهما معاً ؟
والجواب : كلّا ، لا يستطيع لوقوع التزاحم بينهما ، ومن المعلوم أنّ باب التزاحم غير مرتبط بالأدلّة ، بل هو مرتبطٌ بالمكلّف وقدرته على الامتثال ، فهما وإن اجتمعا من حيث الدليل ، وهذا لا مشكلة فيه ، لأنّه من حيث الدليل يجوز اجتماع الأمر والنهي ، ولكن من حيث الامتثال يقع التزاحم بين امتثال الأمر وامتثال النهي ، فأيّهما نقدّم ؟ هل نقدّم الأمر فنصلّي ، أم نقدّم النهي فلا نصلّي ؟
وهنا لابدّ من الرجوع إلى قواعد باب التزاحم ، وحينئذٍ إمّا نقدّم الأمر أو النهي . وأمّا إذا لم تكن لأحدهما أهميّة على الآخر ، فيقع التخيير للمكلّف باختيار أحدهما .
والحاصل : أنّه بناءً على جواز الاجتماع ، نحتاج إلى قواعد باب التزاحم ، بل نحتاج أيضاً إلى قواعد باب الترتّب ؛ والحاجة إلى باب الترتّب هي فيما لو فرضنا أنّه في باب التزاحم ثبت أنّ الأمر أهمّ من النهي ، فالمكلّف سيأتي بالصلاة . وإذا ثبت أنّ النهي أهمّ من الأمر ، فالمكلّف سيترك الصلاة . ولكنّه إذا عصى ولم يصلّ ، وكان الأمر أهمّ ، وخرج من الأرض المغصوبة ، أو أنّه عصى وصلّى في حالة كون النهي أهمّ ، فكيف نحكم على صلاته بالصحّة ، أو على خروجه بالصحّة في كلتا الحالتين ؟
الجواب : إذا بنينا على الترتّب فالصلاة صحيحة ، وإلّا فالصلاة باطلة .
وفي النتيجة بناءً على الجواز ، نحن نحتاج إمّا إلى إعمال قواعد باب التزاحم أو مسألة الترتّب . فهذه المسألة على كلا فرضيها أيضاً محتاجة إلى مسألة أصوليّة أخرى ، وبذلك يندفع ما قاله السيّد الخوئي في المحاضرات .
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 304
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٠٤