للقضيّة الاستقرائيّة التي يحدّدها في مرحلته الاستنباطيّة هي درجة موضوعيّة لأنّها مستنبطة دائماً من درجات موضوعيّة أخرى للتصديق . غير أنّ هذه الدرجة أقلّ من اليقين دائماً ؛ لأنّ درجة التصديق بالقضيّة الاستقرائيّة المستنبطة من الدرجات الأخرى للتصديق وفق المرحلة الاستنباطيّة للدليل الاستقرائي لا يمكن أن تبلغ أعلى درجة للتصديق وهي الجزم واليقين ، لأنّ هناك قيمة احتماليّة صغيرة دائماً تمثّل الخلاف ، فلا يمكن إذن أن يحصل التصديق الاستقرائي على أعلى درجة ، بوصفها درجة موضوعيّة مستنبطة . ويبقى أمام الدليل الاستقرائي لكي يبرّر ذلك أن يفترض : أنّ التصديق الاستقرائي يحصل على أعلى درجة بوصفها درجة موضوعيّة أوّليّة أي معطاة عطاءً مباشراً . وهذا الافتراض مصادرة مثل المصادرة التي تحتاجها أيّ عمليّة استنباطيّة ، لأنّ أيّ استدلال استنباطي يتوقّف على افتراض مصادرة مؤدّاها : أنّ هناك درجات موضوعيّة للتصديق ، معطاة بصورة مباشرة دون أن تكون مستنبطة من درجات أخرى .
وكيفما كان ، فالدليل الاستقرائي لكي يبرّر حصول التصديق الاستقرائي على أعلى درجة موضوعيّة ، وهي الجزم واليقين ، يؤمن بتلك المصادرة التي عرفناها سابقاً . ومن الواضح أنّه لا يمكن البرهنة عليها ، كما لا يمكن البرهنة على أيّ مصادرة أخرى من هذا القبيل . فكما لا يمكن أن نبرهن على أنّ الدرجة العليا التي يتمتّع بها التصديق بمبدأ عدم التناقض - مثلًا - هي درجة موضوعيّة معطاة بصورة مباشرة ، رغم أنّ افتراض ذلك ، هو الأساس في تحديد أيّ درجة موضوعيّة تالية ، كذلك لا يمكن أن نبرهن على أنّ الدرجة العليا التي يحصل عليها التصديق الاستقرائي هي درجة موضوعيّة معطاة بصورة مباشرة .
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 266
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٦٦