اليقين هي درجة صحيحة وموضوعيّة للتصديق الاستقرائي أم لا ؟ فإن كانت صحيحة وموضوعيّة فاليقين بالقضيّة الاستقرائيّة يقينٌ موضوعيّ ، وإن كانت غير صحيحة ولا موضوعيّة فاليقين بالقضيّة الاستقرائيّة إذا وجد في نفس الإنسان فهو يقينٌ ذاتيٌّ بحت .
وبهذا يتّضح فارقٌ أساسيّ آخر بين المذهب العقلي الذي يمثّله المنطق الأرسطي والمذهب الذاتي الذي يمثّله منطق الاحتمال ، وهو أنّ اليقين المنطقي يختصّ بالاستدلال الاستنباطي ولا يشمل الاستدلالات الاستقرائيّة ، وأنّ اليقين الموضوعي هو اليقين الذي يمكن للاستدلال الاستقرائي أن يحققه عبر تنميته المستمرّة للتصديق بالقضيّة الاستقرائيّة .
وهذا طبيعي بالنسبة للاتّجاهين بعدما علمنا أنّ الاتّجاه الأوّل يسير من العامّ إلى الخاصّ ويستمدّ مبرّره المنطقي من مبدأ عدم التناقض ، لأنّ النتيجة في حالات الاستنباط دائماً مساوية لمقدّماتها أو أصغر منها كما تقدّم ، فمن الضروريّ أن تكون النتيجة صادقة إذا صدقت المقدّمات ، لأنّ افتراض صدق المقدّمات دون النتيجة يستبطن تناقضاً منطقياً ما دامت النتيجة مساوية أو أصغر من مقدّماتها أي مستبطنة بكامل حجمها في تلك المقدّمات ، بخلافه في الاتّجاه الثاني الذي يسير من الخاصّ إلى العامّ ، فتكون النتيجة هنا أكبر من مقدّماتها وليست مستبطنة فيها ، ولذا لا يمكن تبريرها على أساس مبدأ عدم التناقض كما رأينا في حالات الدليل الاستنباطي ، لأنّ افتراض صدق المقدّمات وكذب النتيجة لا يستبطن تناقضاً .
ويترتّب على هذا الفرق آثار مهمّة على مختلف المستويات خصوصاً البحث العقدي منها ، حيث يتميّز البحث الفلسفي القائم على أساس البرهان عن البحث الفلسفي والكلامي القائم على أساس الاستقراء ، لأنّ الأوّل ينتج اليقين المنطقي والثاني اليقين الموضوعي .
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 263
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٦٣