تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وكلّ من يعرف الله حقّاً يعرف من سواه حقّاً . إذاً : محمّد يعرف من سواه حقّاً . فإذا كان الأمر كذلك فلِمَ قُدِّمت الآيات الآفاقية على الآيات الأنفسية ؟ ما نستقربه في المقام إذا ما لاحظنا الطريقة العامّة التي نتعاطى بها في المعارف الخاصّة فضلًا عن العامّة هو أنّنا عادةً ما نكون على مقربة وأنس بما هو ظاهر أمامنا لا ما هو ظاهر فينا ، وهذا أمر طبيعيّ جدّاً ؛ إذ الإنسان عادةً ما يكون الغير منظوراً إليه أكثر من نفسه . فالرجل يرى أهله وعياله أكثر ممّا يرى نفسه ، ويرى أقرانه وأترابه أكثر ممّا يرى نفسه ، وهذا الأنس بالغير والإدمان عليه يترك فاصلة واضحة يظهر أثرها في المعارف الحصولية أيضاً . يمكن توضيح ذلك بمثال حسّي ، وهو أنّنا نرى الأشياء المحسوسة أمامنا دائماً ، كالشوارع والبيوت والمكتبات والمساجد والحدائق وسائر الخلائق ، نراها ولا يحجبها عنّا شيء ، فهي ظاهرة حاضرة لا نشكّ فيها ، ولكنّنا لا نلتفت إلى ما هو أشدّ ظهوراً منها وهو ضوء النهار نفسه ، المظهر لها أو الكاشف عنها ، فلولا الضوء لاستحالت الرؤية ، فما الذي يدعونا لإبصار كلّ شيء أظهره النهار لنا ولا نُبصر النهار نفسه أو لا نلتفت إليه ؟ إنّ السبب هو شدّة أُنسنا بهذه الأشياء الحسّية وخفاء المُظهِر لها عنّا ، رغم معرفتنا به وإقرارنا بأنّه أشدّ ظهوراً ووضوحاً منها جميعاً ، وأشدّية ظهوره هي السبب الفعلي الآخر في خفائه « 1 » ، فأُنس بغيره وأشدّية في
هامش
( 1 ) وهكذا يقال في الله تعالى ، فإنّه لشدّة ظهوره اختفى عن أنظار العالمين إليه . ونعمَ ما قيل في ذلك : يا من اختفى لفرط نوره الظاهر الباطن في ظهوره
معرفة الله — صفحة 132 | السيد كمال الحيدري