ظهوره ينتج عنهما خفاؤه وقلّة الالتفات إليه . وهكذا الحال في المقام ، فإنّ النفس إذا عُرفت معرفة حقّاً كانت بنفسها وبتوسّط معرفة الله تعالى مُظهرة لحقائق الأشياء الأخرى أو الآيات الآفاقية ، سواء ما تعلّق منها بعالم المادّة أو الأعمّ من ذلك لتشمل عالم الإمكان بأسره ، ولكنّنا حيث نعيش شدّة الأنس بالغير أكثر من الأنس بأنفسنا فإنّنا نكون ملتفتين إلى الأغيار أكثر من التفاتنا إلى أنفسنا ، ولذا نجد الآيات الآفاقية هي الأكثر وضوحاً وجلاءً أمامنا ما لم نحصل على المعرفة التحقّقية .
وحيث إنّ الشارع المقدّس قد تعاطى مع مخاطبيه في ضوء معرفتهم التحقيقية لا التحقّقية فإنّه والله العالم قدّر لهم شدّة انصرافهم إلى الآفاق أكثر من انصرافهم إلى أنفسهم ، فجاء تقديم الآيات الآفاقية على الآيات الأنفسية .
وبذلك نخلص إلى أنّ الآيات الآفاقية إنّما تكون طريقاً إلى معرفة الله تعالى إذا وقفنا عليها بالنحو الثالث وهو الوقوف التحقّقي الشهودي ، وهذا النمط المعرفي مشروط بمعرفة النفس أوّلًا وبالنحو الثالث أيضاً ، وإلّا ف « من جهل نفسه كان بغيره أجهل » « 1 » .
هذا وقد عرفت فيما تقدّم كيفيّة الوقوف على معرفة النفس تحقّقاً ، والسُّبل المؤدّية لذلك .
هامش
( 1 ) تقدّم تخريجه .