والذي يُفضي بدوره إلى توقّف الشيء على نفسه ، وهو محال عقلًا « 1 » .
وممّا تقدّم يُعلم أنّ هذا البرهان يتوقّف على مقدّمة ضرورية وهي إبطال الدور والتسلسل في رتبة سابقة ، وهذا بخلاف برهان الغنى والفقر فإنّه مُبطل للدور والتسلسل بنفسه كما سيأتي .
هذا ما يذكر عادةً في تقرير برهان الإمكان والوجوب ، بيدَ أنّ ما نراه في المقام هو عدم احتياج هذا البرهان إلى إبطال الدور والتسلسل في رتبة
هامش
( 1 ) يذكر في سبب بطلان الدور رجوعه إلى اجتماع النقيضين حيث يكون الشيء علّة ومعلولًا لطرف واحد ، ويكون الشيء نفسه متقدّماً ومتأخّراً ، وموجوداً ومعدوماً ، ومقوّماً لمعلوله ومتقوّماً به .
وأمّا التسلسل فبطلانه واضح لأنّه يؤدّي إلى بطلان أصل الواقعية الثابتة بالوجدان والفطرة السليمة . ويمكن تقريب بطلانه بمثال قريب من الذهن : لو أنّ شخصاً قال : لا يدخل شخص من هذا الباب إلّا إذا دخل شخص آخر قبله ، فإن جاء الشخص الآخر فإنّه لا يستطيع الدخول أيضاً لأنّه لابدّ أن يدخل شخص آخر قبله ليدخل هو ، وهكذا الحال في الثالث والرابع و . . . وبالتالي لن يتمكّن أحد من الدخول أبداً ، وهكذا الحال في المقام فإنّ كلّ ممكن لا يمكن أن يوجد إلّا إذا وجدت علّته ، فإن كان علّته ممكناً آخر فالآخر لا يمكن أن يُوجد إلّا إذا وجدت علّته ، فإن كانت علّته ممكناً آخر أيضاً فهو الآخر لا يمكن أن يوجد إلّا إذا وجدت علّته ، فإن تسلسلنا من ممكن لآخر دون أن ننتهي إلى واجب لا يحتاج في وجوده إلى علّة خارجة عنه فلازم ذلك عدم وجود شيء أصلًا ، وهذا هو معنى نكران الواقعية وعالم الخارج ، المُفضي بدوره إلى القول بالسفسطة .
وعليه فلابدّ من الانتهاء إلى علّة واجبة غير مسبوقة ولا ملحوقة بعدم وإلّا وقعنا في الدور أو التسلسل الباطلين عقلًا .
وقد عرفت أنّ التسلسل الباطل هو خصوص التسلسل في العلل الفاعلة التي تُعطي الوجود ، وأمّا في الحوادث المادّية فلا محذور من لزوم التسلسل ، وفي الأوّل كان محلّ الكلام .