وكذلك مقام الرضا الذي هو فوق مقام الصابرين أيضاً ، فإنّ الصابر يعيش المعاناة في باطنه ، وأمّا الراضي فهو الذي يعيش القناعة والرضا والتلذّذ بما آتاه الله تعالى من عطايا ، فتصير الرزايا عنده هدايا وهبات يأنس بها لرضا المحبوب بها ؛ ففي دعاء للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يقول : « أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له السماوات وأشرقت الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تُحلّ عليَّ غضبك أو تُنزل عليَّ سخطك ، لك العتبى حتّى ترضى ، ولا حول ولا قوّة إلّا بك » « 1 » .
وقد كان الإمام السجّاد علي بن الحسين عليهما السلام يُطأطئ رأسه ويخضع برقبته الشريفة ثمّ يقول : « وها أنا ذا بين يديك ، فخذ لنفسك من نفسي حتّى ترضى » « 2 » .
ولهفي على تريب الخدّ ومقطّع الأوصال في كربلاء أبي عبد الله الحسين عليه السلام المخاطب ربّه : « لك العتبى لك العتبى حتّى ترضى » « 3 » ، ليمضي إلى ربّه وهو مخضّب بدمه الزاكي « هكذا أكون حتّى ألقى الله وجدّي رسول الله وأنا مخضّب بدمي » « 4 » ولسان حاله يقول : وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى « 5 » ، فربحت تجارته وصفقته في لوحة الطفّ الخالدة ، لوحة الحبّ والتفاني والإيثار .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 91 ص 226 .
( 2 ) الصحيفة السجّادية للإمام زين العابدين ، نشر مؤسّسة الإمام المهدي عليه السلام ، الطبعة الأولى ، 1411 ه قم : ص 166 .
( 3 ) من دعائه عليه السلام في يوم عرفة .
( 4 ) مقتل الإمام الحسين عليه السلام للسيّد عبدالرزّاق المقرّم ، نشر دار الثقافة ، الطبعة الثانية ، 1411 ه قم : ص 279 .
( 5 ) طه : 84 .