من هنا يصحّ لنا القول باحتمال وجود مراتب أعلى من مرتبة « أو أدنى » والذي ناسب أحدية الجمع .
وهذا الاحتمال غير ممنوع عقلًا ونقلًا أيضاً ، حيث جاء في موارد عديدة عن أهل العصمة بأنّهم ما عبدوا الله حقّ عبادته ، وعن الإمام زين العابدين عليه السلام :
« سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك » « 1 » . وأيضاً قول الرسول
الأكرم صلى الله عليه وآله : « ما عرفناك حقّ معرفتك » « 2 » .
ولعلّ المراد بالمعرفة هنا هو كُنه المعرفة لا وجهها ، أي معرفة الشيء بجميع ذاتيّاته فهذا ممنوع عقلًا ونقلًا ، وقد أشار الرسول الأكرم إلى هذه النكتة الدقيقة ، فقد رُوي عنه صلى الله عليه وآله أنّه قال : « لو عرفتم الله حقّ معرفته لزايلت بدعائكم الجبال الراسيات ، ولا يبلغ أحدٌ كُنه معرفته
، فقيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ فقال :
ولا أنا ، الله أعلى وأجلّ أن يطّلع أحدٌ على كُنه معرفته » « 3 » .
هامش
( 1 ) الصحيفة السجّادية ، مصدر سابق : ص 35 .
( 2 ) التوحيد للشيخ الصدوق ، مصدر سابق : ص 114 .
( 3 ) الجامع الصغير لجلال الدِّين السيوطي : ج 2 ص 130 ، حرف اللام . /
/ وينبغي أن يُعلم أنّ الاطّلاع على كُنه معرفته تعني صيرورة العارف معروفاً والقاصد مقصوداً ، وهذا مُحال عقلًا . فعلّة عدم معرفة كُنهه تعود للقابل لا للفاعل . وقد كان الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله يُكلِّم الناس على قدر عقولهم كما أُمر بذلك فإنّ الله تعالى هو محض الفيض والخير والعطاء أوّلًا وبالذات ، وكلّ ما عداه فهو ثان وبالعرض ، فهو لا يمنع عباده عن معرفته ولكنّ الناس ممتنعون اضطراراً نظراً لمحدوديّتهم وضآلتهم . فهم محض الفقر ، وهو جلّ علا محض الغِنى ، ومن الواضح أنّ سلب الفقر عنهم يعني استقلالهم وهذا ما لا يكون البتة ، لأنّهم بذلك لن يكونوا هُم هُم ، في حين أنّنا نفترض في مرتبة سابقة أنّهم هُم ، فالفقر حقيقتهم وليس أمراً عارضاً عليهم .