واحدة ، فباختلاف الحيثيّة تختلف الجهة المنهجيّة والجهة المصدريّة ، فإذا كان المنظور حيثيّة الطريقيّة للوصول إلى المراد فذلك هو المنهج ، وإذا كان المنظور هو حيثيّة المادّة التفسيريّة المستفادة في طريق الوصول فذلك هو المصدر .
إذا اتّضح ذلك ، فإنّه بالقدر الذي تختلف فيه المناهج باختلاف الموضوعات القرآنيّة فكذلك الأمر في المقام ، فالعقل مثلًا لا يكون مادّة تفسيريّة في بيانات الأحكام الشرعيّة المنصوص عليها إجمالًا في القرآن الكريم ، إلّا إذا احتجنا إلى الكشف عن الملازمات ، فذلك أمر آخر .
بعبارة أُخرى : إنَّ كلّ مصدر تفسيريّ له حدود معيّنة تُسهم الموضوعات القرآنيّة إلى حدّ كبير في تشخيصها ، ولكن دون أن تلغي شخصيّة المُفسِّر الذي تُسهم رؤيته التفسيريّة في تحديد موضوعات النصّ الواحد ومساحاته ، فمن أحكم اللغة العربيّة يلتفت لنكات قد يغفل عنها غيره ، ومن يمتلك تخصّصاً حديثيّاً يلتفت إلى ما لا يلتفت إليه غيره ، وهكذا فيمن أتقن الفنون العقليّة فإنَّ رؤيته سوف تختلف كثيراً عمَّن سواه ، ومن هنا نفهم سرّ اقتصار البعض على الموادّ الحديثيّة دون غيرها أو على الموادّ اللغويّة أو العقليّة ، فذلك لا يحكي لنا مُتطلّبات النصوص القرآنيّة بالضرورة ، لضرورة اختلاف الموضوعات القرآنيّة ، وإنّما لمحدوديّة الرؤية التفسيريّة ، وأمّا من ينطلق باتّجاه هدف مقتضيات النصّ وليس باتّجاه مقتضيات تخصّصه السابق فإنّه سوف يكون ذا رؤية تفسيريّة واسعة وواضحة وواقعيّة ، وسيكون هو الأقرب للنصّ « 1 » .
هامش
( 1 ) منطق فهم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 453 - 454 .