فالمفردة الصارفة وسيلة القرينة السياقيّة وليست هي نفس القرينة .
ولا ريب بأنَّ هذا المعنى الدقيق لم يلتف له الأعلام ، بحسب علمنا ومُتابعاتنا من الُمتقدِّمين والُمتأخّرين ، وهو بحاجة إلى تأصيل أكثر وتأمّل كبير للوصول إلى زواياه الدقيقة التي نرجو أن تتّضح أكثر عند تعرّضنا لبيانات تقسيم هذه الدلالة السياقيّة عمَّا قريب ، وإن كُنا نعتقد بأنّ ذلك لا يفي بالغرض ، فالمسألة بحاجة إلى دراسة مُستقلّة ندعو أصحاب التخصّص للخوض فيها ، وذلك لما تتوقّف عليه من نتائج كبيرة وعميقة وخطيرة في معظم النصوص القرآنيّة ، بل لا تكاد تجد نصّاً يخلو من ذلك ، وهذا ما يفتح أمامنا في هذا التصوير الموجز للقرينة السياقيّة أن نتعرَّض إلى مسألة تحديد هويّة هذه الدلالة من حيث الحقيقة والمجاز ، فقد تقدَّم أنّ البعض بل الأعمّ الأغلب من الأعلام يرى أنَّ هذه الدلالة تُفيد معنىً التزاميّاً وليس مُطابقيّاً ، وهذا يعنى أنّها تحكي معنى مجازيّاً لا حقيقيّاً ، وهو قول غير تامّ ، ولا يُمكن القبول به ، وليس منعنا من ذلك من باب الالتزام بمجاز السكاكي ، فذلك اشتباه آخر منه ، وإنّما نعني إرادة الحقيقة ، فالقرينة السياقيّة تُوفّر لنا معنى حقيقيّاً جديداً يتعلَّق بالمركَّب نفسه ، لا بالمفردة الواحدة ، وهذا المعنى ليس في قباله معنى آخر ، أي : ليس في قباله معنى حقيقي آخر ليقال بأنَّ الأوّل مجازي .
إذن ، فالسياق أو الدلالة السياقيّة لا تقلب المعنى الحقيقي مجازيّاً ، لأنّها لا تتعلَّق بالمفردة ، كما عرفت ، وإنّما بالمعنى التركيبي الذي يمثّل المعنى الحقيقي الجديد ، وهذا المعنى أمر آخر غير معنى المفردة .
ربّما يُقال بأنَّ ذلك سوف يُفضي إلى إنكار أصل وجود المجاز ، وذلك
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن — صفحة 274
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٧٤