التفسيريّة التي ما انفكّت عن حركتها الدائريّة .
إنّها محاولة معقّدة وعسيرة جدّاً ، تحتاج جهداً استثنائيّاً واستقراءات طويلة النفس وتأمّلات عميقة النظر ، ولكنّ الهدف - كما ألمعنا - يستحقّ منّا البذل ؛ لأنّنا ورثنا منظومة تفسيريّة تُعاني من اجترارات وتخندق ، وفوضى معلوماتيّة تراكميّة دون تنظيم دقيق ، وضبابيّة في رسم النتائج النهائيّة ، ممّا يكشف - إنّاً - عن ضبابيّة الفهم ، هذا ما نلمحه في السواد الأعظم من المصنّفات التفسيريّة ، ممّا يجعلنا نميل كثيراً إلى افتقار المكتبة الإسلاميّة إلى تفسير حقيقيّ يُوظّف المفردة والجملة والفكرة في رسم وصياغة النتائج الأعلائيّة التي يسير باتّجاهها النصّ .
نعم ، إنّ العمل بالأسلوب التركيبي هو الأجدى ؛ إذ إنّ الوقوف على المعاني المختلفة للمفردة القرآنيّة واستيعابها بشكل جيّد والمقارنة بينها والبحث عن وجوه الاختلاف والاتّفاق فيها ، وما إذا كان هناك جامع بينها ، وما إلى ذلك من الأمور المختلفة المتعلّقة بالبحث في المفردة القرآنيّة ، يمدّ المفسّر بالقدرة على الموازنة بين الوجوه العديدة المختلفة والمحتملة في التراكيب الجمليّة القرآنيّة ، ففقدان تلك القدرة يعني : أن يقف المفسّر حائراً أمام مئات الوجوه المختلفة والمحتملة في التراكيب الجمليّة القرآنيّة ، ثمّ إنّ الوقوف على الحاصل المعرفي - بعد إسقاط الوجوه المحتملة وغير المعتبرة - من ضرب وجوه الاختلاف بين المفردات والتراكيب ببعضها في بعض المقاطع القرآنيّة ، والّذي هو حاصل ضخم يمدّ المفسّر الموضوعي باستصحابه معه برصيد معرفي كبير يمكن ضمّه إلى ما يحصل عليه من أرصدة معرفيّة كبيرة أخرى من مقاطع قرآنيّة أخرى فيحصل له بذلك ثروة معرفيّة تمكّنه من التعاطي بصورة دقيقة مع موضوع البحث المحدّد على مستوى التفسير
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن — صفحة 158
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٨