وأما الاستثناء الذي ذكره بقوله : " إلا ما كان عقدا في المعاونة على
أمر قبيح " فهو غير مناف للتخصيص بالعقود المرخص فيها من الشرع ، لأن فيها
أيضا ما يكون كذلك ، كالبيع للظلمة ، وبيع الخمر وآلات اللهو ، والنذر في
المعاصي وأمثالها ، فإن المراد حينئذ : المرخص نوعها في الشرع .
فإن قلت : قوله سبحانه : ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) ( 1 ) يدل
على حسن الوفاء لكل عهد ، وإن كان مما يخترعه العباد ، فهو أيضا يكون من عهود الله
سبحانه .
قلنا : المستفاد منه حسن الوفاء بكل عهد ، الذي لا كلام فيه ،
فيكون عهد ( 2 ) الله سبحانه حسن الوفاء ، فيجب الوفاء بذلك العهد ( 3 ) ، أي
اعتقاد حسنه ، فيكون كعهده ( 4 ) في سائر المستحبات ، فيدل المراد ( 5 ) على وجوب
الوفاء بهذا العهد من الله ، ولازمه حسن الوفاء بكل عهد ولو كان مخترعا ،
لا وجوبه .
ومن ذلك يظهر : أن ما جعله أقوى لا يدل على صحة كل عقد يخترعه
العباد بينهم أيضا ، بل يدل على وجوب الوفاء بكل عقد عقده الله سبحانه ، فلو
كانت صحة كل عقد اخترعوه أيضا ثابتة من الله بغير هذه الآية ، تدل تلك الآية ( 6 )
على وجوب الوفاء بمقتضاه ( 7 ) ، لا أن هذه الآية تكون دالة على صحته .
وقال البيضاوي : الوفاء : هو القيام بمقتضى العقد ، وكذلك الايفاء .
والعقد : العهد الموثق .
هامش
( 1 ) المعارج 70 : 32 .
( 2 ) في " ب " ، " ج " : عقد .
( 3 ) في " ب " ، " ج " : العقد .
( 4 ) في " ب " ، " ج " : كعقده .
( 5 ) كذا ، ويعني : الآية .
( 6 ) يعني آية الوفاء .
( 7 ) أي : مقتضى العقد .