وقد كان النظر الأوّل في هذا الكتاب هو أبحاث الأسفار العملية الأربعة في فصله الأوّل ، بخلاف ما كانت عليه أبحاث الأسفار العقلية في فصله الثاني ، والتي عقدت لبيان منهجة أبحاث الأسفار العقلية الواقعة بإزاء ما للعارف من أسفار عملية . وأمّا أبحاثها التفصيلية التخصّصية فإنّها متروكة إلى محلّها . لذا يمكن القول : إنّ مجموع أبحاث هذا الكتاب بتمهيده وفصلَيه يقع مقدّمة مهمّة لشرح كتاب الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة للحكيم الشيرازي ( رحمة الله ) .
جدير بالذكر أن القرّاء على اختلاف مشاربهم وأذواقهم سيجدون في هذا الكتاب مادّة تعنيهم وتخاطب فهمهم الخاصّ ، حتى أصحاب التخصّصات العلمية والأدبية نظراً لما اشتملت عليه من مطالب فلسفية وكلامية وأخلاقية وعرفانية وأدبيّة . ولا شكّ أنّ هذا التنوّع في الطرح والمجاذبة بين أكثر من علم وفنّ يُوفّران للقارئ مناخاً مناسباً للأُنس والتفاعل مع مطالب عقلية ربّما تخلق بنفسها نوعاً من العزوف عنها .
تمهيد
من الحقائق الأساسية التي توفّر عليها البحث العقلي ، وأيّدتها الشواهد النقلية هو أنّ الإنسان قبل وصوله إلى نشأة عالم الدنيا قد مرّ بعدّة عوالم ومواطن ، وطوى عدّة مراحل سابقة على عالمه المادّي ، كما أنّ هنالك نشآت وعوالم أُخرى سوف يمرّ بها بعد هذه النشأة . ومن تلك النشآت السابقة على عالم المادّة هي عوالم المثال والعقل والربوبية ، تنزّل الإنسان منها ابتداءً من عالمه وموطنه الأصلي - عالم الربوبية - حتّى وصل به المطاف إلى هذه النشأة المادية الحسيّة ، مروراً بعالمي العقل والمثال .
عالم الربوبية
يمتاز العالم الربوبي على سائر العوالم الأُخرى بأنّه عالم واجب الوجود لذاته ، وأمّا العوالم الأخرى فإنّها تنضوي بكلّيتها ضمن دائرة عالم الإمكان