الموضوعات على ما كانت عليه ، فلا يذهب عليك ذلك .
إذن فالحرمة والحلّية باقيتان إلى يوم القيامة ، ولكن مَن قال إنّ موضوعاتهما باقية إلى يوم القيامة ؟ فالحديث يقول حلال محمّد وحرام محمّد ، ولم يقل موضوعا الحلال والحرام باقيان إلى يوم القيامة .
ولا يقال بأنّ هذا ليس جديداً لدخوله ضمن الأحكام الثانوية ، أي أنّه بالعنوان الأولي كان حراماً ، فصار بالعنوان الثانوي حلالًا ، من قبيل أحكام الضرورة والاضطرار .
فإنّه يقال إنّه ليس كذلك ، وهذا وهم آخر ، إذ المراد هو إنشاء أحكام أوليّة ، فالمخصّص للعامّ والمقيّد للمطلق لا يعتبر حكماً ثانوياً وإنّما هو إنشاء حكم أولي ، وحاله حال أي حكم أولي آخر ، وهذا ليس مشابهاً للأحكام الثانوية والناشئة بفعل الاضطرار ، فشرب الماء النجس حرام ويبقى كذلك إلى يوم القيامة ، وعندما يأتي المضطر فيشرب الماء فإنّ حكمه يتغيّر إلى الجواز وربّما إلى الوجوب لو توقّفت حياته على شربه ، فالاضطرار لم يغيّر من الموضوع شيئاً ، وهنا يصحّ القول إنّ الماء النجس بالعنوان الثانوي - وهو عنوان الاضطرار - صار جائزاً ، ومن الواضح أنّ هذا غير ما نحن فيه ، فما نحن فيه هو تغيّر موضوعات الاحكام ، وقد قلنا إنّه لا فرق بين ما نحن فيه وبين انقلاب أو استحالة بعض الموضوعات إلى أشياء أخرى بفعل تغيّر داخلي .
وعلى أيّة حال ، فإنّ مسألة مدخلية عنصري الزمان والمكان - وهي مسألة كبروية - يمكن تنقيحها في دائرة أبحاث علم الكلام أو علم الأصول ، وإلّا فإنّها ليست بحثاً فقهياً ، وقد مررنا بها لما لها من أهمّية قصوى في مستقبل الأحكام الفقهية ، وحيث إنّنا نجد حسيّاً أنّ المنهج الفقهي القائم عند الشيعة خاصّة والمسلمين عامّة ، هو منهج مجرّد من مدخلية عنصري الزمان والمكان ، فعندما يتناول الأعلام بحث الدم أو المني أو الميتة تجدهم يذهبون
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 733
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٧٣٣