تحديد موضوعه حيث كان آنذاك هو الغناء الفاحش المعروف عند أهل الفسق ، وكذلك موضوع المُثلة التي هي حرام ولو بالكلب العقور ، قد تَدخَّل عنصر الزمان في تحديد دائرتها . فالتشريح - ظاهراً - متضمّن للمثلة ، إذ يقوم بعملية تشريح الجسد ولكن لأغراض عقلائية لم تكن موجودة في زمن النصّ ، وقد أفتى الكثير من الأعلام بجواز عملية التشريح لِمَا فيها من فوائد طبية وقانونية ، بعد أن كانوا يفتون بالحرمة ، وبطبيعة الحال إنّ الذين أجازوا عملية التشريح يرون أنّ المثلة آنذاك إنّما هي محرّمة لأنّها تحصل بداعي التشفّي ، بخلاف ما هو عليه الآن في عمليات التشريح ، وهذا يعني أنّ الموضوع قد تغيّر أو أنّ دائرته قد حُدّدت وقيّدت ، وهذا كلّه إنّما حصل ببركة عُنصرَي الزمان والمكان ، ولا فرق بين تغيّر موضوع الحكم في المُثلة والغناء وبين تغيّر موضوع الحكم في النجاسة التي استحالت إلى رماد فصارت طاهرة ، غاية ما في الأمر أنّ التغيّر في الاستحالة هو تغيّر من الداخل ، وفي حقيقة الشيء ، وأمّا في المُثلة والغناء وما شابه ذلك ، فإنّه تغيّر من الخارج وذلك بفعل الشرائط المستجدّة بواسطة عنصري الزمان والمكان ، وسواء تغيّر الموضوع بواسطة داخلية أو خارجية ، فإنّ أثر ذلك هو تغيّر الاحكام .
ولا يقال إنّ ذلك يتنافى كليّاً مع قول الإمام الصادق ( ع ) : «
حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة
» « 1 » .
فإنّه يقال إنّ هذا مجرّد توهّم إذ إنّ القائلين بأثر الزمان والمكان لا يقصدون من ذلك تغيّر الأحكام مباشرة ، فمجال بحثهم ليس هو الأحكام وإنّما موضوعاتها ، ولذلك فإنّ الحلال كان وسيبقى حلالًا إلى يوم القيامة ما بقيَ موضوعه ، والحرام كان وسيبقى حراماً إلى يوم القيامة ما بقيَ موضوعه أيضاً ، فلا يوجد متقوّل واحد يقول بأنّ تغيّر الأحكام حاصل مع بقاء
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 58 ح 19 .