الفرق الإسلاميّة ، يمتلكون خلوصاً في النوايا ، ولا يريدون أبداً معارضة الإسلام في أمر أو قول ، ويمكن أن تكون لديهم شبهات وأخطاء ، ولكن لم يكن هناك أيّ سوء نيّة بالنسبة إلى الإسلام عمليّاً عندهم .
وإلى هنا تكون جملة من الأمور قد اتّضحت لدينا وهي :
أوّلًا : أنّ العرفان إنّما يُشاد على طبيعة النظرة التوحيديّة للإنسان ، وعلى نقطة البداية للإنسان إزاء مبدأ التوحيد .
ثانياً : أنّ العرفان يضمّ النظرية والتطبيق أو السلوك في نفس الوقت ، بينما التصوّف هو ظاهرة اجتماعيّة لها أعرافها الخاصّة .
ثالثاً : أنّ العرفان مصطلح عريق في اللغة العربيّة ، ومع كونه موجوداً ما قبل الإسلام إلّا أنّه مغاير لرؤية الإسلام ومنهجه في الحياة ، والعرفان الإسلامي نشأ من داخل البيئة الفكريّة الإسلاميّة .
مشخّصات الرؤية الكونية عند العرفاء
في بحثنا هنا مطلبان أساسيّان هما :
أوّلًا : كيف يتوصّل العارف إلى تحديد الرؤية الكونية ، وما هي طريقته في ذلك ؟
ثانياً : ما هي الرؤية الكونيّة للعارف ؟
في ما يرتبط بالمطلب الأوّل نقول : كما أنّ الفيلسوف يريد أن يفهم العالم ، كذلك العارف أيضاً يريد أن يفهم العالم ، ولكن لكلٍّ منهما طريقته الخاصّة في فهم الله سبحانه وتعالى ، وفي فهم الإنسان وهذا العالم .
فالعارف من خلال رؤيته الكونيّة - ونقصد منه العرفان النظري - يهتمّ ويعتني بتفسير الوجود ويبحث في وجود الله والعالم والإنسان ، وهو من هذه الناحية يشبه الفلسفة الإلهيّة التي تُعنى بتفسير الكون وتوضيحه .