ولكنّنا عندما نرجع إلى الروايات الصادرة عن النبيّ ( ص ) وأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) نجد ألفاظاً من قبيل عرف وعرفان ومعرفة والوقوف في عرفات و . . . وكلّها ألفاظ تشير إلى محور معيّن لهذه الكلمة ، وإشارات إلى هذا المصطلح الموجود ، أمّا عن وجود ما يرادفها فإنّ الطباطبائي عندما يعبّر عن العرفان يقول : العرفان الفارسي ، العرفان اليوناني . . . ولكن هل هذا يعني أنّ هذا الاصطلاح موجود أو غير موجود ؟ وأنّ المحتوى كان موجوداً في تلك العصور القديمة أيضاً مع الفارق بينه في تلك الأزمنة وبين ما وصل إليه العرفان الإسلامي ؟ هذه بحوث تحتاج إلى تفصيل كما ذكرنا ، مع الإشارة فقط إلى أنّه في الأزمنة القديمة كان يسمّى « غنوص » وما يعبّر عنه بالظاهر الغنوصيّة التي تعني نفس الظاهرة العرفانيّة ، وهي أقرب ما تكون إلى الباطنيّة ، أمّا في الإسلام فإنّ المراد من العرفان هو تلك الرؤية الكونيّة .
وهنا لابدّ من الوقوف عند مسألة أساسيّة وهامّة وهي : ما هو الموقف والاتّجاه العامّ لغير العرفاء من مقولات العرفانيّين ومعتقداتهم ؟
يمكن القول باختصار أنّ هناك مواقف ونظريّات متعدّدة من العرفان ، فقد رأى أصحاب الحديث وفقهاء المسلمين أنّ العرفاء لا يرتبطون عمليّاً بالإسلام ، وأنّ استنادهم إلى الكتاب والسنّة إنّما هو خداع صِرف وتضليل للعوامّ ، ورأى البعض بأنّ العرفان والتصوّف حركة قامت بها ملل من غير العرب ضدّ الإسلام والعرب معاً ، تحت ستار من المعنويّات .
وهناك موقف ثالث أيّده بعض علماء المسلمين ومنهم الشهيد مرتضى مطهّري رضوان الله تعالى عليه ومفاده : أنّ في العرفان والتصوّف - وخصوصاً في العرفان العملي - يمكن رصد بدع وانحرافات كثيرة ، لا تتّفق مع كتاب الله ومع السنّة المعتبرة .
ولكن العرفاء شأنهم شأن سائر طبقات المفكّرين المسلمين ، ومثل أغلب
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 645
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٦٤٥