وإنّما كانت منبثقة من الروايات التي كانت بدورها منبثقة من واقع اجتماعيّ يختلف كاملًا عن واقعنا الاجتماعي .
ولذا فإنّ الرجوع إلى الكتب الفقهية يعطينا صورة واضحة عن المسائل الفقهية التي بُحثت فيها والتي قد تصل إلى الآلاف ، وإنّ الموضوعات المبحوثة فيها منبثقة من واقع غير واقعنا المعاصر باعتبار أنّ الفقيه غير مرتبط بالواقع المعاصر حتى يحتاج إلى بيان الموضوع أيضاً ، فيأخذ الموضوع من الرواية ، وحيث إنّ الموضوعات التي طرحت في الروايات منبثقة من واقع خاصّ من عصرها ، فصار فقهنا منطلقاً من واقع غير معاش بالنسبة إلينا .
فالنتيجة هي الابتعاد عن الواقع ، وإذا ابتعدنا عن الواقع فإنّ الفقهاء عندما يبيّنون الأحكام يبيّنون أحكاماً لموضوعات ولوقائع لا ترتبط بواقعنا .
ومن هنا قلنا في بداية هذه الأبحاث بأنّ الفقيه ينطلق من واقع غير معاش فيعطي أجوبة لواقع غير معاش ، وعندما تسأله عن مسألة معاشة ومعاصرة لابدّ أن تستفتيه لأنك لا تجد ذلك في الرسالة العملية ، مع العلم أنّ الرسالة العملية كان ينبغي لها أن تجيب على الأسئلة التي تنطلق من هذا الواقع المعاصر والمعاش ، لا أن تنطلق من الفرضيات .
وبهذا يتبين لنا الأثر العملي لنظرية الإمام الخميني ؛ إذ إنّ الفقهاء عزلوا الموضوع عن الزمان والمكان فانطلقوا منه بما هو وبغضّ النظر عن الظروف الاجتماعية والزمانية والاقتصادية التي تحيط بالموضوع . وهنا حاول الإمام الخميني أن يرجع القضية أو يبدأها هكذا : إنّ كلّ موضوع يُعتبر الزمان والمكان شرطان فيه .
فإذا أردنا فهم الموضوع - وفقاً لنظرية الإمام - لابدّ أن نأتي بالموضوع في هذه الشرائط ، وننطلق من الموضوع ضمن هذه الشرائط ثم بعد ذلك يأتي الحكم الشرعيّ .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 517
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٥١٧