وهذا البيان إنّما يتم ويكون صحيحاً فيما لو كانت النصوص الشرعيّة التي بأيدينا قد ألقيت جميعاً إلى مستوى الفهم العرفي عند عموم الناس ، والحال ليس كذلك إذ إنّ كلمات أهل البيت ( عليهم السلام ) انطوت على كثير من المسائل التي لا يفهمها إلّا الخواص ، خصوصاً في مباحث العقائد ومسائل التوحيد والمعرفة الإلهية التي لا يخفى مدى العمق والدقّة التي تضمنّتها .
في ضوء ذلك أثبتنا أن المقصود من الظهور الموضوعي ليس الظهور المصيب أو المطابق للواقع ، بل المقصود أن الظهور إذا كان مستنداٍ إلى قرائن موضوعيّة ومنهج صحيح في الاقتناص بغضّ النظر عن إصابة الواقع وعدمها ، فهو الملاك الصحيح في الموضوعيّة والذاتية التي يوصف بها الظهور المقتنص . فإن حصل ظهور لإنسان من خلال اعتماده على منظومة فكرية ومنهج استدلاليّ أقام الدليل على صحّته ، عدّ هذا الظهور موضوعياً . وأمّا إذا كان الظهور حاصلًا بصورة لا تستند إلى منهج معرفيّ ، أقيم الدليل على صحّته ، فلا يكون موضوعياً وإن كان مصيباً واقعاً .
وهذا الملاك في الموضوعية هو الذي لابدّ أن يجري في مسألة تعدّد القراءات في النصّ الديني ، إذ إنّ الواقع لا يمكن لغير المعصوم أن يدّعي أنه وقف عليه ، كي يقول بأنّ القراءة الصحيحة هي خصوص المطابقة للواقع ، إنما القراءة الموضوعيّة هي تلك التي تستند إلى سياق معرفّي مبرهن أو منهج استدلالّي أقيم الدليل على صحته . بعبارة أخرى : إنّ المدار في الكاشف لا المكشوف .
وفي هذا المجال ذهب العلّامة الطباطبائي إلى أنّ القراءة والاستظهار من النصّ الديني لو لم يكن مستنداً إلى منهج صحيح لكان من مقولة « التفسير بالرأي » التي نهى عنها النبي الأكرم ( ص ) قال : « التفسير بالرأي المنهيّ عنه أمرٌ راجع إلى طريق الكشف دون المكشوف ، وبعبارة أخرى : إنّما نهى ( ص )
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 477
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٤٧٧