نستطيع القول بأنه مثّل - من خلال درسه الفلسفي والعقائدي - منعطفاً مهماً أو نقطة تحوّل بارزة في نشر علوم الحكمة والعقائد من خلال طابع تأسيسيّ اخذ على عاتقه الاستدلال على أصول الدين والبحث العقدي بالاستناد إلى معطيات البحث الفلسفي والقرآني ، ولعل المثال الأبرز لذلك هو بحثه الموسّع حول الإمامة ، إذا أعطى لهذا الأصل العقدي المهمّ بعداً جديداً أعمق مما كان عليه في السابق بعد أن استخلص نظريته في ذلك من خلال المنهج القرآني الذي يدور حول محور الإنسان الكامل .
ولا شكّ أن البحث العقائدي عند السيد الحيدري مثّل حالة جديدة تمتاز بالمنهج العلمي الذي يعطي المقولات العقائدية عمقاً أكبر في نفس الإنسان المؤمن ؛ مما جعله موضع الاهتمام الواضح في الوسط العامّ لأتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) - على اختلاف مرجعياتهم الدينية - حاملًا للواء البحث العقائدي ومسائل أصول الدين في هذه المدرسة .
أمّا في ما يخص المنهج العلمي في مناقشته النظريات العلمية وأقوال العلماء فقد ارتكزت طريقته في مناقشة كلمات ونظريات الآخرين على المتابعة الواسعة لكلّ ما يتعلّق بالمسألة المطروحة في البحث والربط المحكم بين مصادرها العلمية وبالتالي إعطاء لوحة متناسقة الأطراف منسجمة المضمون للنظرية التي هي موضع البحث ، فعندما يناقش مسألة أصالة الوجود عند صدر المتألّهين - مثلًا - فإنّه يأتي بجميع كلمات هذا الحكيم حول هذه المسألة سواء التي ذكرت في كتاب الأسفار أو في كتبه الأخرى ، ثمّ يتعرّض للمعطيات التي أسسها ملّا صدرا على تلك النظرية وبذلك يكون قد وقف على جميع المفاصل الحيوية التي تشكّل العمود الفقري للنظرية ، وبذلك تتضح نقاط القوّة أو الضعف فيها ، ومن ثَمَّ يكون تقويم أو نقد النظرية مبتنياً على أساس منهج علميٍّ واضح .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 452
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٤٥٢