ولا يتأتّى ذلك الاستدلال على البداهة بناءً على القراءة الثانية ، لأنّ الماهيّة عبارة عن أمرٌ عدميّ ، لا تتّصف بالموجوديّة حقيقة حتّى مع حمل الوجود عليها ، وهذا حكمٌ نظريّ يفتقر إلى البرهنة والاستدلال ، لأنّ إثبات أنّ المتحقّق في الأعيان هو الوجود لا غير ، وأنّ جميع الماهيّات كالإنسان والبقر والشجر من الأمور العدميّة ، ليس من الأحكام البديهيّة الأوّليّة ، بل قد ادّعي في كلمات كثير أنّ هذه الدعوى خلاف الوجدان .
وأمّا على القراءة الثالثة فعدم البداهة واضح جدّاً ، لأنّه يُنفى فيها أن يكون للماهيّة أيّ نحو من أنحاء الموجوديّة ، وهذا حكمٌ نظريّ أيضاً ، يتوقّف إثباته على إقامة البرهان .
هذا تمام الكلام في أهمّ الفوارق الأساسيّة بين قراءات أصالة الوجود ، وهي تصلح أن تكون شواهد ومنبّهات لمن تأمّل فيها على صحّة القراءة الأولى ، حيث ينسب الوجود وآثاره إليها وهو أمرٌ وجدانيّ ، وتكون لعلومنا الحصوليّة قيمة معرفيّة حقيقيّة ، وهو أمرٌ ضروريّ أيضاً ، وهكذا حال الفوارق الأخرى عند التأمّل فيها .
المبحث الخامس : النتائج المترتبة على نظريّة أصالة الوجود
النتيجة الأولى : إثبات الواقعية العينية .
بمعنى أنّ الواقعيّة الثابتة بالبداهة لا يتعقّل ثبوتها إلّا بالبناء على أصالة الوجود ؛ وإنكار أصالته والإيمان بأصالة الماهيّة يؤدّي إلى إنكارها والقول بالسفسطة ، فيجب أن تكون الواقعيّة مصداقاً بالذات لمفهوم الوجود .
النتيجة الثانية : الوجود من المعقولات الأولية .
هذا بناءً على القول بأصالة الوجود ، حيث يكون لمحكيّ مفهوم الوجود ما بإزاء في الواقع العيني ، فيكون معقولًا أوّليّاً ؛ وعلى القول بأصالة الماهيّة واعتباريّة الوجود ، فليس للوجود ما بإزاء في الأعيان ، فيكون معقولًا ثانويّاً .