ثمّة مقولة استشراقيّة تحاصر أقلام باحثينا وهم يدرسون الفلسفة الإسلاميّة ، ويبدو أنّ هذه المقولة من القوّة ، بحيث أضحت قادرة على التحكّم بمنهج الدراسات التي تصدر بأقلام محلّية في محيط العالم الإسلامي ، ممّا كانت له آثاره على محتوى هذه الدراسات .
وهذه المقولة الاستشراقيّة تنتهي بالتفكيك إلى شقّين ، تزعم المدرسة الاستشراقيّة في الشقّ الأوّل ، أنّه ليس هناك ما يمكن أن نطلق عليه الفلسفة الإسلاميّة ، وإنّما تعود الآثار الفلسفيّة في الحياة العقليّة الإسلاميّة ، إلى أن تكون مجرّد ترجمات وتعريب لآثار فلاسفة الغير ، وبالذات فلاسفة اليونان ومقولاتهم في هذا المضمار .
وحين يصرّ هذا الاتّجاه الاستشراقي على أن لا حظّ للمسلمين في الفلسفة إلّا التعريب والترجمة ، فإنّه يرفض تبعاً لذلك أن تكون الحياة العقليّة في الثقافة الإسلاميّة قد نجحت في تنشئة فيلسوف داخل البيئة الإسلاميّة يتوفّر على مقولة خاصّة أو إنجاز مبتكر خارج دائرة الفلسفة اليونانيّة .
أمّا الشقّ الثاني من المقولة فهو يتمثّل بما ذهب إليه تيّار آخر في المدرسة الاستشراقيّة حيث زعم أنّه وإن كان يمكن القبول بوجود فلسفة إسلاميّة لها مقولاتها التي تختصّ بها ، ولها أعلام مبرّزون ، إلّا أنّ الشوط الفلسفي في الحياة الإسلاميّة سرعان ما ضمر وانكفأ بعد أن بلغ ذروته مع أبي الوليد ( ابن رشد ) فيلسوف قرطبة والنجم الساطع في الحياة العقليّة الإسلاميّة في بيئة الأندلس .
فبعد ابن رشد تلاشت الفلسفة الإسلاميّة واضمحلّت ولم نشهد لها نهوضاً يُذكر حتّى الوقت الراهن .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 291
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٢٩١