يسكنني حينها ؛ فكان لا بدَّ له من أستاذ ، من مرشد ، من رجل تجتمع فيه كلّ الصفات والمعارف التي ذكرت أو جُلّها على الأقل ، أستاذ يأخذ بيدي ( وأنا طالب العلم ) لجادّة العلم والحضور والفلاح ، مبدداً القلق والهمّ والشعور بالحاجة للاستقرار الفكري ، فكان كرم الله ولطفه سبحانه وتعالى أن أكرمني وهداني للتعرّف على سماحة العلّامة السيد كمال الحيدري ( حفظه الله ) ، فوجدتُ ضالّتي به وأنستْ نفسي إليه وطابت بعد أن استقرّت ونعمت بصحبته ، وتشرّفت بالتلمذة عليه .
في العام نفسه ( 1989 م . ) بدأتُ بالتلمذة على سماحته في حضور درسه « شرح بداية الحكمة » للعلّامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان ( رحمة الله ) ، في الوقت الذي ندر فيه من يتصدّون لمثل هذه الأبحاث من ناحية الشرح الدقيق والعمق الفريد الذي شكّل فرادة ما زالت تُميِّز السيد كمال الحيدري لحدّ الآن بين أقرانه في الحوزة العلمية .
كان طبيعياً الانجذاب لمثل هذه الشخصية العلمية المتفرّدة ؛ التي ما برحت تجمع بين الأصالة والتجديد ، وبراعة تجلّت في الجمع بين العلوم النقلية ( الحوزوية التقليدية ) وبين العلوم الحكمية والعرفانية .
وهذا التنوع في دراسة العلوم هو الذي ميّز الحوزة القمّية عن النجفيّة ، فبعد الثورة الإسلامية المباركة في إيران بقيادة الإمام الخميني في مقابل الحصار والاستبداد الذي مورس على الحوزة العلميّة في النجف الأشرف ، والضغط الذي تعرّض له علماؤها الأبرار ومراجعها الأطهار ، شخصت الأبصار وشدّت رحال طلبة العلوم الدينيّة نحو مدينة قم التي عاشت الاستقرار العلمي في ظل الثورة الإسلامية وشرّعت فيها كلّ الأبواب للإطلالة على مختلف العلوم ولا سيّما منها ما يتطلّبه الإسلام لمواجهة التحدّيات المعاصرة ، وهذا ما فتح الباب واسعاً لانتشار دراسة الفلسفة والعرفان وغيرهما من العلوم العقليّة لتأخذ موقعها في الدراسة الحوزويّة في مدينة قم المقدّسة .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 1087
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص١٠٨٧