لم يكن العام 1983 م ، عاماً عادياً بالنسبة لكاتب هذه السطور ، فقد بدأتُ المرحلة الثانية من طلب العلم في مدينة قُم المقدسة ، بعد أن كنت أنهيتُ المرحلة الأولى في لبنان .
في ذلك العام وصلتُ مدينة قم ؛ مدينة العلم والعلماء ، مدينة الطالب والأستاذ ، مدينة الصخب الذهني وما ينتجه من حوارات ونقاشات لا تخلو من حدّة حيناً ؛ وهدوء أحياناً بحسب تزاحم المطالب ، هذه المدينة التي تضمُّ الضريح المقدّس للسيدة فاطمة المعصومة بالإضافة لأضرحة مئات العلماء والحكماء والفلاسفة والعرفاء والمراجع الأعلام ؛ فإنها تجمع بين ظهرانيها الحوزات والمعاهد والمكتبات إضافة إلى الآمال المعلقة على أساتذتها وطلبتها ونزلائها الذين أتوا من كلّ بقاع الأرض طلباً للعلم والحكمة والمعرفة ، وهي بهذا لا زالت قبلة طلّاب العلم وكعبة فقه ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ؛ بعد أن أنجبت النوابغ منهم وليس آخرهم العارف الكامل الإمام الخميني ، الذي صعد بالإسلام إلى أسمى مقاصده المتجلّية بإقامة العدل بين الخلق من خلال الثورة الإسلامية المباركة وتأسيس أول نظام للحكم في الإسلام في العصر الحديث .
في هذه المدينة المباركة بدأتُ المرحلة الثانية من طلب العلم ، وعليه ، كان لا بدَّ من دراسة الفقه والأصول وغيرهما من الموادّ التي يدرسها الطلاب كما عادة كلّ الحوزات الدينية ، ولكن شغفي في التطلّع لترجمة هذه المعارف والعلوم عملياً ومحاكاة العصر وتحدياته كان هاجساً يسكنني بامتياز .
فالحوزة العلميّة المباركة تحوي في برامجها ومناهجها ذخائر علوم آل بيت محمد ( ص ) فضلًا عن معارف القرآن ، ويتدرّج الطالب فيها ليترقّى في
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 1085
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص١٠٨٥