الصنف الثاني : الولاية التكوينية لغير الأنبياء ( عليهم السلام )
1 - الصدّيقة مريم . قال تعالى : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( آل عمران : 37 ) . فالآية المباركة تتحدّث عن أنّ زكريا ( ع ) لما صار كفيلًا لمريم من قبل الله تعالى ، وبعد أن بلغت مريم الرشد تحت كفالته ، كان كلّما دخل زكريا عليها وجد عندها طعاماً من غير الموسم ، فسألها متعجّباً نَّى لَكِ هذَا فقالت مريم : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ومن الواضح أنّ المراد بقوله ( يرزق من يشاء ) لا يعني أنّ عطاء الله لا حساب له ، لأنّه تعالى يقول : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ( الرعد : 8 ) ويقول أيضاً : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ( القمر : 49 ) ، وإنّما المراد أنّ رزق الله لا يمكن فهمه بواسطة الحساب والطرق المتعارفة ، وإنّما له تعالى سبل للرزق بغير الأسباب المتعارفة ، وعلى هذا فالآية دالّة على انطواء مريم على نحو من الولاية والتصرّف في التكوين .
2 - وصيّ سليمان آصف بن برخيا ( ع ) . قال تعالى : قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ( النمل : 40 ) .
3 - ذو القرنين ( ع ) . قال تعالى حكاية عنه : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ( الكهف : 84 ) ، وقد أجاب أمير المؤمنين ( ع ) من سأله عن كيفية بلوغ ذي القرنين المشرق والمغرب بقوله : «
سخّر له السحاب ومدّت له الأسباب وبسط له في النور
، وقال :
أزيدك
؟ فسكت الرجل . . » « 1 » . أي كان ذو القرنين يتصرّف في السحاب ، وهذا يدلّ على تمتّعه بالولاية التكوينية .
هامش
( 1 ) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر ، تحقيق : علي شيري ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، 1415 ه - ، بيروت - لبنان : ج 17 ، ص 33 .