ولمّا لم يكن لتلك النفوسِ المفارقةِ أبدانٌ عند هؤلاءِ الذاهبين إلى كون جرمٍ سماويٍّ موضوعاً لتخيّلاتِهم حتّى يكونَ لأبدانِهم علاقةٌ وضعيّةٌ إلى تلك الأجرام العاليةِ ، لتصيرَ تلك الأجرامُ كالمرآةِ لتلك النفوس ، يشاهدُ ما فيها من الصور بتوسّطِ العلاقتين : إحداهما طبيعيّةٌ ، والأخرى وضعيّةٌ متوقّفةٌ على الطبيعة ، فمتى ارتفعت العلاقةُ الطبيعيّةُ للنفس بالنسبةِ إلى بدنِها بالموت - مثلًا - ارتفعت العلاقةُ الوضعيّةُ لها بالنسبةِ إلى جرمٍ من الأجرام ، إذ الثانيةُ متفرّعةٌ على الأُولى ؛ فإذا بطُلَ الأصلُ بطلَ الفرعُ ، فظهر بطلانُ ما ذهبوا إليه .
وأيضاً على أن يكونَ الجرمُ الفلكيُّ كالمرآةِ موضوعاً لتخيّلاتِهم كان المتخيّلُ لهم في الصورةِ هي الموجودةُ فيه المتمثّلةُ عند نفسِه ، وليست الصورُ المتمثّلةُ في الأفلاكِ إلّا ما هي تخيّلاتُ الأفلاكِ لا ما هي تخيّلاتُ تلك النفوس ، ومحالٌ أن يكونَ جرمٌ علويٌّ نسبتُه إلى نفسِه نسبةُ جوهرِ الدّماغِ إلينا ، ثمّ يتصوّرُ بنقوشٍ وصورٍ خياليّةٍ غيرِ التي أنشأتْها نفسُه الشريفةُ العلويّةُ . وإذا كان الأمرُ كما ذكرناه فيمتنعُ أن يكونَ في الأجرام العاليةِ هيئاتٌ مؤلمةٌ شرّيرةٌ ، وأوهامٌ مظلمةٌ موحشةٌ معذّبةٌ حتّى يتعذّبَ بها الأشقياءُ ، وما يتعذّبُ به تلك النفوسُ على ما اعترفوا ليس إلّا هيئاتُها الرديّةُ وتخيّلاتُها الكاذبةُ وعقائدُهم الباطلةُ وآراؤهم الخبيثةُ ، دونَ الصور المطابقةِ لما في الواقع ؛ لأنّ الكائنَ في القابلِ الذي في غايةِ الخلوصِ والصفاءِ كالأجرام العاليةِ من الفاعل الذي في غايةِ الشرفِ والتقدّسِ ، كالمبادئ العقليّةِ ، لا يكون إلّا صوراً حقّةً ومُثُلًا عينيّةً مطابقةً
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي) — صفحة 308
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٠٨